المثقف كموضة، قواعد جديدة للعبة المثقف‏.

المثقف كموضة، قواعد جديدة للعبة المثقف‏
نظرا لأهمية الموضوع وحساسيته لدى البعض فقد أثرت عدم ذكر مصدر المادة لئلا “ينقز” أحدنا بسبب مصدر، وربما لموضوعه أيضا، المادة علما أن كاتب المقالة مثقف سوري مهم جدا وصديق شخصي لأستاذي رياض متقلون.
من هو المثقف؟ وهل هناك تعريف للمثقف في عصرنا؟ ما هي طبيعة العلاقة بين المثقف وبين العالم،
وهل هناك حقاً مرجعيات يمكن من خلالها تصنيف المثقفين في أنماط أو أدوار أو انتماءات كما كان الحال في مراحل سياسية وثقافية سابقة؟ ولماذا كل ذلك الضجيج حول شخصية المثقف ودوره وما الذي يميزه جوهرياً عن أي إنسان آخر؟ أسئلة قديمة جديدة تعود إلى ساحة التداول والجدل عند كل مرحلة تحول كبرى، ولا يخلو الجدل في كل مرحلة من محاولات قلقة لكتابة تاريخ ما لشخصية المثقف، تاريخ لتطور هذا المفهوم ولتحولاته. وإذا كانت كل محاولات كتابة ذلك التاريخ الغامض تشتبك دائماً بالسياسي والاجتماعي بكل ما فيه من تعقيدات فإن بعض المقاربات الثقافية الطريفة لهذا الموضوع لا تخلو من عمق رغم لغتها التهكمية والساخرة. إن هذه اللغة الساخرة لا تلغي الأسئلة الكبرى حول دور المثقف وهويته بل أنها تضعها تحت أضواء جديدة عبر نزع تلك القدسية الزائفة والجدية المبالغ بها التي حكمت النظر إلى شخصية المثقف.‏‏‏
لنتناول أحد هذه المقاربات على سبيل المثال. يبدأ الناقد الأمريكي ديفيد بروكس عرضه لتطور شخصية المثقف عبر العصور بهذه المحاورة المفترضة:‏‏‏
عزيزي الدكتور كيركيغارد‏‏‏
كنت طوال عمري أتقن انتحال شخصية المثقف بنجاح. كنت أرتدي أقنعة المثقفين بسهولة مردداً مقبوسات حفظتها من فرانز كافكا، جاك دريدا، ميشيل فوكو وغيرهم فأدهش الحضور وأسبب الغيرة والحسد لأصدقائي. لكن في السنوات القليلة الماضية لم يعد ذلك مجدياً. لقد أصبح الناس ينظرون إلي بحيادية ودون أي إهتمام. وأشعر بقلق كبير على صورتي التي صنعتها بدأب خلال العقود الماضية. لم أعد أعرف كيف أبدو مثقفاً! فما السبب؟ أرجوك ساعدني!‏‏‏
التوقيع وجودي قلق‏‏‏
عزيزي الوجودي القلق‏‏‏
يؤلمني حقاً أن أرى العديد من الناس يحاولون ارتداء قناع المثقف بالطريقة الخاطئة. إن هذا ينتهك ذكرى المنتحلين العظماء في ماضيهم المجيد. وما يجعل الأمر أكثر فظاعة هو أن مشكلتك بسيطة وجوهرية في الوقت نفسه! إن مشكلتك وخطأك الفادح يتلخص في أنك فشلت في تمييز الموضة المعاصرة لقناع المثقفين. ويبدو أنك لم تلاحظ التطورات الكبيرة التي طرأت على شروط ولوازم أن تكون مثقفاً.‏‏‏
في البداية عليك أن تتذكر أن هناك ثلاث مراحل لتطور الموضة الثقافية. المرحلة الأولى تمتد بين عامي 1400 إلى 1965. كانت هذه المرحلة عصر الادعاء والتقليد، حين كانت الرموز الثقافية تتموضع في تراتب هرمي حيث الأوبرا والفنون الجميلة في قمة الهرم بينما فنون الخلاعة والتعري في القاع. كان على متسلق الهرم أن يتعلم فنون القمة ويتدرج في صعوده بينما يلاحقه تلامذته ومريدوه. ففي عام 1960، على سبيل المثال، كان على متسلق الهرم الثقافي أن يتبع موضة الحداثة العليا. كان عليه كي يتقن طقوس الانتحال أن يتمرس في أعمال أدبية صعبة القراءة من ت س إليوت إلى عزرا باوند ثم ينصرف بعدها إلى تأملاته تحضيراً لخوض نقاشات صاخبة في الحفلات المخصصة لقراءة هذه الأعمال. ويتحقق النجاح عندما يكون القناع الذي يرتديه المنتحل مقنعاً وذلك بأن تكون تلك الحفلة مخصصة لقراءة «الأرض اليباب» مما يسمح للمنتحل أن يتأمل بعمق في غموض المصير الإنساني. وبعد ذلك تكون اللمسات الأخيرة التي لا بد من إضافتها لتكتمل شخصية المثقف أن يذهب ذلك المنتحل بعد الحفلة الثقافية إلى بيته لتناول الفودكا الروسية وتدخين الغليون.‏‏‏
لقد ماتت هذه الموضة في نهاية الستينيات وحلت مكانها موضة التعددية. أصبحت في هذه المرحلة تلك التراتبية الهرمية للفن مجرد نزعة مرفوضة وقديمة. وبدلاً من تلك التراتبية أصبح أي عمل إبداعي مصدره أحد الأقوام المستعمَرة والمضطَهدة يتمتع بقيمة فنية وفكرية راقية. في هذه المرحلة تحولت الجاذبية الثقافية إلى أولئك الذين يستطيعون التفتيش عن المواد المتناثرة في أراضي الشعوب المستعمَرة سابقاً ومن ثم جمعها وحفظها. وهنا أصبح من الضروري بالنسبة لأي مثقف أن يمتلك مجموعة نادرة تضم شيء من كل شيء، وأصبح من المفيد أيضاً لأي مثقف أن يزين جدران غرفته بقطع سجاد أو مزق أقمشة من الهنود الحمر أو بأشكال لطواطم أفريقية أو تايلاندية أو أي شكل من التمائم، بشرط وحيد هو أن لا يكون مؤمناً بها!‏‏‏
لقد ماتت هذه الموضة أيضاً. انتهت هذه المرحلة في اللحظة التي حلت فيها الميديا محل الثقافة. لقد احتلت الآن وسائط الاتصال مكان المحتوى الثقافي. إن الفكر الكوني الآن مشغول بتقنيات الهواتف النقالة والتقنيات الإلكترونية وبنية الشبكات التي يفترض أن تنقل الثقافة أكثر بكثير من انشغاله بهذه الثقافة ذاتها. أصبح الدماغ يطغى على العقل والتصميم يطغى على الفن. لقد أدى هذا التحول إلى قواعد جديدة للعبة المثقف. أول هذه القواعد أن البريستيج تحول من المبدع أو منتج الفن إلى مقتنيه وجامعه ومن يسوقه. فالكتاب والفنانون كائنات هشة في هذا الفضاء تتغير بسرعة وتختفي أسماؤها، والثابت الوحيد هو ذلك الضجيج الإلكتروني القادر على صنع وتثبيت الأسماء. فحتى تكون مثقفاً يجب أن يحتل اسمك مكاناً على المواقع الإلكترونية التي حلت مكان الهرم الثقافي القديم.‏‏‏
الملمح الثاني الهام والجوهري في قناع المثقف المعاصر هو أن يتمرس المنتحل في عملية الملل من أي شيء ومن كل شيء. فحتى تبدو مثقفاً يجب عليك اليوم أن تعبر عن قرفك وضجرك من كل ما يمكن تخيله من أعمال ومنتوجات إبداعية وثقافية. ويجب عليك حتى تحتفظ بمكانك في مقاعد النخبة ألا يستمر إعجابك بأي عمل إبداعي أو إنتاج ثقافي لأكثر من أسابيع قليلة. ذلك أن هذه هي الطريقة الوحيدة أمامك لإثبات تفوقك المعرفي وتسامي مواهبك وذائقتك على ما يحيط بك من ضجيج العوام وجهل الجماهير. إن ذلك وحده يضمن لك المسافة الضرورية والحاسمة بينك وبين الرعاع ويحقق لك تمايز النخبة عما سواها. وفقط عندما تتقن هذه اللعبة ستكتشف موقعك الحقيقي في الخارطة الثقافية المعاصرة. فالأمر لم يعد يتعلق بما تقرأ وبما تعرف، ولا بمقدار قدرتك على فهم ما تقرأه وتستهلكه من مواد ثقافية، بل يتعلق الأمر بأن تجد لنفسك مكاناً في فضاءات الضجيج الثقافي. ولا تقلق إن لم يكن لديك شيئاً لتقوله، فلا أحد سيسمع على أية حال.‏‏‏
لقد أصبحت مهمة أن تبدو مثقفاً أسهل من أي وقت مضى. فلم يعد ضرورياً الآن حمل كل تلك الكتب الضخمة أو احتساء كل تلك الكميات الهائلة من الفودكا الروسية. ولم يعد ضرورياً أن يتحمل المرء عبء غليونه طوال الوقت. لقد تغيرت قواعد اللعبة، ولم يعد من الضروري حتى حفظ كل تلك المقبوسات الغامضة التي ذكرتها. يمكنك الآن أن تكون عضواً فاعلاً في النخبة الثقافية دون أن تضطر لقراءة شكسبير أو دوستويفسكي أو نيتشه. ويمكنك أن تناقش وتجادل في كل شيء يستطيع حاسبك الشخصي أو هاتفك النقال أن يلتقطه من الإنترنت. يمكنك مثلاً أن تكتب مقالات في شؤون العصر وأن يكون لك رأي في كل القضايا. وتذكر، كل ماعليك هو أن تتبع قواعد الموضة الثقافية.‏‏‏
د. علي محمد سليمان:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *