حزب البعث العربي الاشتراكي “بين النظرية والتطبيق”

September 12, 2011
By
تنشأ الأحزاب كتعبير سياسي اجتماعي للإجابة على الاستحقاقات المجتمعية في مستوياتها الثلاث الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية. حيث ترسم هذه الأحزاب خطى هذا المجتمع وسياساته في قراءة الواقع والعمل على السير به قدماً باتجاهات تغييره إلى الأفضل مع الحفاظ عليه وحمايته من التحدّيات التي تعترض مسيرته في البناء. ولا نملك في الحياة السياسية العامة الكثير من الأحزاب التي استطاعت أن تقدّم برامجاً شاملة مرحلية، أومستقبلية تستطيع الإجابة على الأسئلة الكبرى في نطاق جغرافي ما. وخاصة في منطقة تتجاذبها الصراعات والإنتماءات المختلفة وتخرق حصانتها قوى متنافرة ومتصارعة فيما بينها من الداخل والخارج كالمنطقة العربية مثلاً؟ والتي لم تصل بعد إلى انجاز مشروعها الحضاري كدولة بمفهومها الحداثوي المعاصر. هناك أحزاب تستطيع أن تعيش لمرحلة تاريخية محددة ثم تنتهي مع تغير حركة التاريخ حولها. حيث نجد أنَّ هناك الكثير من الأسئلة التي لا تجد لها اجابة في فكر هذا الحزب او ذاك. في عالمنا العربي الكثير من هذه التجارب. أشهرها كان التحّول الذي صنعه السادات بعيد اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1980 حيث قام بتغيير الحزب الناصري إلى ما يُسمى اليوم بالحزب الوطني لأن الحزب الناصري لم يعد يلّبي السياسات الجديدة التي انتهجهها السادات في المستوى الوطني والقومي والدولي وعلى المستوى الاقتصادي لجهة تخلّي الدولة عن دورها في أبوية المجتمع وسياسات الانفتاح التي بدأ يمارسها السادات في الاقتصاد المصري نحو الليبرالية، وهو ما يخالف نهج وفكر الرئيس جمال عبد الناصر.
أيضاُ؛ ترخي التجربة الاشتراكية السوفييتية بظلالها الشديدة في هذا المضمار حيث سقط الحزب الشيوعي الروسي ذو التوجه الماركسي- اللينيني لأنه فقد حيوته وعجز عن مواجهة تبدّلات تاريخية هامة أصبحت استحقاقات رسمت صورة العصر الحديث حيث توجهت هذه الحكومات إلى تغيير الحزب ونهجه وفكره ليقدّم قراءات لمرحلة جديدة من التحوّل، سياسياً، اقتصادياً، واجتماعياً.
في الحقيقة؛ ليست مسألة تأسيس حزب سياسي، يقدم برامج مرحلية ومستقبلية، مع قدرته على الاستجابة للشرط السوسيولوجي بالأمر السهل. فالكثير من الأحزاب إمّا استجابت مرحلياً لشروط وجودها، أو أنها اخفقت هنا ونجحت هناك، قدّمت هنا حلولاً وفشلت هناك؟! طبعاً يشترط ذلك الانجاز وجود مفكرين كبار تكون لديهم القدرة على الاستجابة لمتطلبات العصر في فكرهم السياسي، وفي الوقت ذاته، تحقيق العيش الكريم للمجتمع، والمحافظة على تطوره ومسيرة بناءه الحضارية. كل هذا يجب ان يكون في بيئة آمنة من الاختراقات تحميه من أتون الصراعات التي تحيط به وتتجاذبها القوى الأكبر منه! في واقع مرير مثل الواقع العربي نجد أنَّ تأسيس نهج سياسي حزبي يستجيب لكل التحدّيات هو بمثابة السراب. لذلك نجد أن الكثير من الأحزاب العربية فشلت في مشاريعها لأنها بقيت عاجزة إما مرحلياً وإمّا مجتمعياً لبناء مشروعها السياسي ؟
هل كان حزب البعث العربي الاشتراكي أحد هذه الأحزاب التي فشلت؟ من وجهة نظرنا وبرغم أنَّ أي شهادة في حزب البعث اليوم هي شهادة مجروحة بسبب ما تعّرضَ له وما صنعه في العراق وسوريا على مدى خمسين عاماً، إلاّ أنَّ المنطلقات النظرية لحزب البعث ونهجه الفكري كان قفزة نوعية في ذلك الزمن الذي تأسس فيه من عام 1947 والتي يعود الفضل فيها إلى الأب الروحي للحزب المفكر ذكي الأرسوزي وغيره كميشيل عفلق والبيطار والحوراني وغيرهم. تتكون شرعية أي حزب حين يمكّنه فكره النظري والتطبيقي من تحقيق مطالب الغالبية الكبرى من الناس. لذلك نجد أن حزب البعث كان في حقبة ذهبية عابرة أكثر من استطاع الاستجابة لهذه الاستحقاقات. فمن جهة هو قدَّم رؤية متطورة في المسألة القومية التي تشكّل الحاضنة الحقيقة لكل الشعوب العربية بالرغم من نداءات أو نزعات الانفلات منها والتي يكتبون بياناتها في اللغة العربية نفسها؟؟! فالوحدة العربية بالنسبة لحزب البعث هي مشروع المراهنة الأكبر لأمة عربية لا يمكن لها الاستمرار والعيش إلاّ في هذه الحاضنة، وهي نفسها التي من المفروض أن تنجز مشروعها الحضاري وتساهم في تبوأ هذه الأمة مصافي الأمم الأخرى وبناء على ذلك تصبح لها سيادة على الباقي من أمم الأرض، حيث تحمي هويتها ووجودها وحضارتها عبر هذا التوحد الذي يسخر منه البعض؟! ولكنه صنع المعجزات في الاتحاد الأوروبي الذي لا تنتمي بلدانه إلى بعضها ولا تجمعهم رابطة، فهم مختلفون حتى في أبسط أساليب لباسهم وطعامهم؟
أمّا في المجال الاقتصادي، فقد كان حزب البعث وسطياً في رؤيته الاقتصادية تجاه المجتمع وعملية التحوّليات الاقتصادية ورأسمالية الدولة ولم يلغِ الطبقة المالكة لوسائل الانتاج ولو أنه حدّ منها ومن ملكيتها إلاّ أنه حافظ على دور ضامن للدولة في التحكم برأسمال الاقتصاد وتبعاته وبالتالي بقيت هي سيدة الموقف الاقتصادي وهي التي تمثل الحالة الأبوية للمجتمع والتي تتحكم بتوزيع الثروات والدخل ” تغيرت هذه السياسة الحكومية بعد العام 2002، مما أدى إلى بروز طبقة مسحوقة ومقهورة يتآكلها الفقر والأزمات والتهميش مع ارتفاع كبير بنسبة البطالة”، ولا أظن بعد الكثير من التجارب التي رأيناها في الغرب وأمريكا وأزمات الرهن العقاري القاسية التي أوشكت أن تدمّر العالم الغربي، وكذلك التحوّل الاقتصادي العراقي والروسي ودول المنظومة الاشتراكية حيث نسب الفقر تجاوزت كل الحدود، وكل من عاصر التجربتين يملؤه الحنين إلى دور الدولة في حكم المجتمع، وها نحن اليوم نشهد في أوروبا ذاتها دعوات صارخة لعودة تدخل الدولة واعادة توزيع الثروة المجتمعية والتحكم في مقدّراتها بطريقة تشبه ما صوّره حزب البعث منذ أكثر من ستين عاماً في نهجه. لذلك إن الشرط الاقتصادي وكيفية معالجته للمسألة الاقتصادية تلبّي وتؤيد تطلّعات الشريحة الأكبر من المجتمع وبغالبية ساحقة، لأن البدائل لا تخدم سوى شريحة من الطبقات البرجوازية التي تستأثر برأس المال وتوسع الهوّة في معدّلات الفقر والغنى في المجتمع ؟
في المسألة الاجتماعية والفكرية؛ قدّم حزب البعث رؤى ذات مستوى لابأس به ،مقارنة بدول المنظومة الاشتراكية، في تصوره للفرد وحريته الاجتماعية والسياسية وحمايته والمحافظة على كرامته وصون حقوقه وحمايته بدستور وقوانين وغيرها. وكان عابراً في فكره للإنتماءات الضيّقة الماقبل وطنية من عائلية وطائفية وقبلية وإثنية وغيرها. ولكن للأسف لم يستطع حزب البعث تطبيق أي من هذه المبادىء التي قام عليها إلاّ ماكان في بداياته عندما تسلّم السلطة، أمّا فيما عدا ذلك فقد دخل في زمن طفيلي استاتيكي لا يمت إلى فكره ونهجه بصلة من أي نوع كانت وغصّت صفوفه بالانتهازيين والوصوليين من جميع فئات المجتمع وخاصة أؤلئك الذين قدموا إليه من طبقات بدائية ومسحوقة حيث وجدت فيه شراعاً تمتطي ركبه للوصول إلى أهدافها. ولكن أخطر ما أصاب حزب البعث هو التحشيد الذي مارسته السلطة في المدارس حيث كان الكثير من الطلاب البعثيين يحصلون على درجات استثنائية بعد خضوعهم لدورات إسمية ووهمية تعطيهم أحقّية على زملائهم وامتيازات في الجامعات والمعاهد والفروع ما شكّل نواة حقيقية لثقافة الانتهازية في فكر الحزب لدى الكثير من جيل الشباب الصاعد الذي لا ينتمي إلى اي فكر سياسي بل هو فقط ينظر إلى الحزب على أنه مطيّته لكسب امتيازات المستقبل في بلد انعدمت أو أو شكت أن تنعدم فرص العمل والتوظيف والمناصب فيه لغير البعثيين.! هذا بالإضافة إلى السيارات الفارهة والمكاتب الفخمة. إذ كيف يُمكن لقادم من الريف إلى المدينة للمرة الأولى في حياته ،ربّما، أن ينعم برغد العيش في مدينة مثل دمشق، أو حلب أو حمص، لا ينال فيها سكّانها قسطهم من الغذاء مثلاً، أو من السكن؟ أو من التنقل والخدمات؟ في الوقت الذي ينعم فيه المسئول الحزبي بكل هذه الامتيازات ومن دون عناء، بالإضافة إلى السلطة المطلقة على رقاب الناس وادارات الدولة ومؤسساتها؟!!
يُمكن الحديث مطّولاً في تجربة حزب البعث المريرة خلال الستين عاماً من عمره وفكره الذي بقي جامداً، ولم تتمكن كوادره من العمل على اعادة انعاشه بسبب من فقدان أدوات الانعاش الخاصة وبسبب ابتلاع الدولة وأجهزتها ومؤسساتها من قبل السلطات الأمنية التي رهنت البلاد لخدمة أهدافها في ثبيت النظام وتجذرّه الاجتماعي في الداخل، والمحافظة على الدور و المكاسب التي حققها الرئيس الراحل حافظ الأسد في الخارج لجهة قدرتها عللى التحكم بأوراق الاقليم ومصارعة المشاريع المطروحة تجاهه. فهم عملوا في لبنان والعراق وفلسطين ومع ايران وغيرها من سياسات بطريقة أثبتوا فيها بأنهم لا عبون محترفون وبامتياز برغم ما تعرضوا له من ضغوط واختراقات وصراعات وحروب.
وللشهادة الموضوعية، وحتى نقطع الطريق على كيل الاتهامات لنا بأننا ندافع عن حزب البعث، أو أن أحداً قد وجهنا لكتابة السطور آنفة الذكر، فإننا نقول هنا باختصار بأنَّ كاتب هذه السطور ينتمي سياسياً إلى تيار اليسار الماركسي، ولم يكُ يوماً بعثياً أو له علاقة بحزب البعث. ولكنها نظرة تحليلية سريعة ومختصرة في خضّمَ الأحداث التي تُلهبُ سوريا. وبرغم اختلافي السياسي عن حزب البعث إلاّ أنَّ التجارب علمتني وعلّمت الكثيرين بأنَّ تغيير الواقع العالمي ” الأممي ” بحسب الرؤيا الماركسية إلى الأفضل يكون بتغيير واقع الأمّة التي ننتمي إليها، وإنَّ تغيير واقع الأمة يكون بتغيير واقع الوطن الذي نعيش فيه، وتغيير واقع الوطن يكون بتغيير واقع العائلة التي ننتمي إليها، وتغيير العائلة يكون بتغيير ذاتنا، أولاً وآخراً، فإن صلحنا صلُحَ الزمان وصلُحت الأوطان، وإن فَسِدنا فسدُ الزمانُ وفسَِدتُ أوطانُ ..؟عماد يوسف

Tags:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • البعث السوري: بعث بلا قيامة… تشابه مدهش بين سورية وكوريا الشمالية

    العنوان بالغ الدلالة، الذي يعطيه الكاتب والمحلل السياسي المعروف حازم صاغيه للفصل الأخير من كتابه الجديد “البعث السوري: تاريخ موجز”، هو “بعث بلا قيامة”، مختصراً المسيرة الطويلة والدموية لتاريخ الحزب […]

  • تنحي ..بعد العسكرة والأسلمة !

    ليس الجواب على سؤال  بسؤال آخر من  شيم النقاش المحمودة , الا أنه   يجوز للرئيس الأسد ما لايجوز لغيره  , الرئيس الأسد اجاب محاوره الألماني تودن هوفر  على سؤال يتعلق […]

  • تفاعل وتداخل وتدخل

    سأختار شعبي سأختار أفراد شعبى ، سأختاركم واحدا واحدا من سلالة أمى ومن مذهبى، سأختاركم كى تكونوا جديرين بى إذن أوقفوا الآن تصفيقم كى تكونوا جديرين بى وبحبى محمود درويش […]

  • ماذا عن ‘ممانعة إسرائيل’ و’حماية الأقليات’ عند الأسد؟!

    بقلم :سليم البيك عربياً، بُنيَ الخطاب الإعلامي لنظام الأسد على ركيزتين: ممانعة إسرائيل وحماية الأقليات. ركيزتان لا بدّ أن تشملهما أي حجّة يتلفّظ بها أي موالٍ لهذا النظام، بغض النظر […]

  • ماذا فعل بنا بشار ؟

     كمال اللبواني: بالمقارنة مع نظام صدام في العراق الذي دمر العراق على يد الاحتلال الأمريكي  ، بسبب العناد الذي سماه رجولة ، فإن بشار قد خرب سوريا أيضا ودمرها فوق […]