السلطان الحديث: المنابع السياسية والاجتماعية للطائفية في سوريا (١\٣)

February 4, 2015
By

بقلم:ياسين الحاج صالح:

الحلقة الأولى من سلسلة من ثلاثة نصوص تحاول بلورة مفهوم الدولة السلطانية المحدثة ومقاربة الطائفية بوصفها أحد أوجه النظام السوري على ثلاثية البيعة والفتنة والأبد.

تقول نظرية شائعة جداً عن الطائفية أن جذرها يتمثل في وجود «طوائف» في مجتمع ما، وأن الطوائف ليست شيئاً آخر غير الجماعات الدينية والمذهبية المختلفة المكونة لهذا المجتمع، والعلاقة الطبيعية بينها هي الخصومة وعدم الثقة، وربما الحرب. لكن هذه النظرية لا تقول لنا لماذا لا تكون المجتمعات كلها، وليس بينها ما يخلو من تعدد ديني ومذهبي، عرضة للتوترات الطائفية في كل حين. أسميها نظرية عامية في الطائفية لأنها نظرية الانطباع الأول الذي لا يعيد النظر في نفسه، ولا يتفحص مضمونه. نقد المعرفة الأولى أو الانطباع الأول هو ما يمكن أن ينتج معرفة موثوقة أكثر. ما سأحاول قوله هنا أن الطوائف ذاتها بناءات اجتماعية صنعية، تصنع في شروط سياسية بعينها، هي التي سيجري تقصيها هنا.

من جهة أخرى، ليست الطائفية انعكاساً لبنى اجتماعية متأخرة، أو تعبيراً عن وعي متأخر، كما تقول نظرية أخرى، يفترض أنها تقدمية. سندافع في هذه المقالة عن فكرة أن الطائفية من خطط السياسة وأدوات الحكم في الحاضر، وليست استمراراً لشيء قديم فشل في أن يموت. منبع حياة القديم هو سياسات الحاضر وتنظيماته وعلاقات السلطة فيه، ولا تعيش موروثات الماضي إلا بقدر ما تبث الحياة فيها بنى الحاضر، وتتمفصل مع أوضاع راهنة.

وليست الطائفية أيضاً من ظواهر الوعي وأمراضه كالوهم والهوى والأيديولوجيا، وإن ظهرت في شكل أيديولوجيا وكانت منبعاً للأهواء والأوهام، ولا هي من ظواهر الهوية والانتماء وأمراضهما كالتعصب، وإن ظهرت الطوائف كهويات حاصرة واستبعادية؛ إنها من ظواهر السلطة والامتياز الاجتماعي، وتتجسد في أوضاع سياسية وتنظيمات اجتماعية، وتتشكل في ممارسات وأفعال قد تبلغ القتل، لكنها تقوم على التمييز في كل حال، وتعبر عن نفسها وتُثبِّت نفسها في خطابات وعقائد عامة.

يلتزم هذا التناول حدود الإطار السوري الذي يبدو لي ملائماً جداً للنظر في الطائفية، ليس بالرغم مما تحاط به من تكتم وتحريم محروس بالعنف و«الثقافة»، بل بفضله. التفكير في الطائفية في سوريا لا بد له أن يكون تفكيرا بما وراء السطح من ظواهر سياسية واجتماعية، وما وراء الخطابات المجاهر بها من ممارسات وأوضاع فعلية. إنه تفكير في المجتمع والدولة والسياسة في سوريا خلال عقود الدولة الأسدية. وفي العنف والثقافة أيضا.

وعبر التفكير في المجتمع والدولة والسياسة، يعمل هذا التناول المخصص لتقصي الجذور الاجتماعية والسياسية للطائفية في سوريا، على بلورة نموذج اجتماعي سياسي أوسع، اسميه الدولة السلطانية المحدثة. الطائفية ليست الحقيقة الأخيرة للسياسة والمجتمع، إنها وجه بين وجوه أخرى للدولة السلطانية المحدثة التي تقوم على «البيعة» (أي التبعية) و«الفتنة» (أي الحرب الطائفية) و«الأبد» (أي السلالة والوراثة).

النظام الجديد وتناقضاته

نقطة الارتكاز الزمنية المختارة في التحليل هي السنوات التأسيسية لحكم حافظ الأسد بعد عام 1970. ليس أن مشكلات عامة تتصل بوضع الجماعات الاعتقادية في الدولة والفضاء العام لم تكن موجودة قبلها، لكن هذه بداية اصطلاحية وإجرائية من جهة، يسوغها واقعياً، من جهة أخرى، أن السير العام للشؤون الاجتماعية والسياسية والثقافية بين الاستقلال عام 1946 وانقلاب 1970 كان باتجاه توسع الحقل السياسي الوطني، ومشاركة أوسع لسوريين مختلفي المنابت في الحياة العامة، وعلمنة أوسع للتفكير والحياة العامة أيضا، ووزن متراجع للطائفية في الدولة. ما كان الحكم البعثي، والأسدي ذاته، ممكنين لولا ذلك.

على أن التطور الوطني كان يحمل تناقضات كبيرة في الزمن ما قبل البعثي، وكذلك في سنوات الحكم البعثي السابقة لحافظ الأسد. في الحقبة الأولى كان لدينا تناقض مركب بين تشكل الدولة الوطنية المستقلة بسكان متنوعين متزايدين (أقل من 4 ملايين وقت الاستقلال عام 1946) وبين نخبة حكم ضيقة، تنحدر من أسر أعيان مدينية ظهرت في عقود الحكم العثماني الأخيرة، أو من عسكريين كان بعضهم قبل حين في جيش الانتداب الفرنسي. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، كان لدينا أجهزة إسلامية سنية تستأثر بـ«سلطة تعريف الإسلام»، و«تحكم» دينياً، إن جاز التعبير، غير السنيين من المسلمين. ليس لهذه السلطة سيادة، ولا نفاذ لها إلى وسائل العنف، لكن لها ولاية شبه عامة، لا تقتصر على سنيين لم يُسألوا الرأي في قبول ولايتها الدينية، وإنما تتجاوزهم إلى علويين ودروز واسماعيليين وشيعة لا يدينون بالعقيدة السنية. وهذا في غياب أطر قانونية ومؤسسية تتعامل مع السوريين كأفراد، يقررون لأنفسهم في مجال التعليم الديني والأحوال الشخصية.

وفي الزمن البعثي لم تتجاسر النخبة الجديدة ضعيفة الشرعية على معالجة التناقض الأخير، المتصل بوضع «الدين العام»، أو الهيمنة السنية في مجال التعليم الديني وقوانين الأحوال الشخصية والاحتفالات الدينية العامة، لكنها عالجت التناقض الأول المتصل بتحكم نخبة تقليدية بحكم الدولة الوطنية الناشئة. وبالفعل قاد الإصلاح الزراعي وتأميم الشركات الكبيرة والبنوك الخاصة، والتوسع في التعليم، إلى توسيع القاعدة الاجتماعية للحياة الوطنية مع انضمام ريفيين وفلاحين إلى مؤسسات الدولة الحديثة، التعليمية والعسكرية والبيروقراطية، والحزبية. غير أن سياسة النخبة الجديدة لم تتأخر عن توليد تناقض آخر بين هذه القاعدة المتسعة وبين ضيق الإطار السياسي الذي فرض قسراً على البلد، وتمثل في حكم الحزب الواحد، بل الفرد الواحد، عملياً.

في زمن حافظ الأسد (1970- 2000) توقف توسع القاعدة الاجتماعية للحياة الوطنية بفعل تفاقم الطابع التسلطي للنظام، والتشكل التدريجي لبرجوازية جديدة، يتوسط قطاع أول منها بين مركز السلطة والجمهور العام (سأسميها البرجوازية المحلية أو الأعيان الجدد)، ويمتلك قطاع ثانٍ أهم موارد البلد وقطاعات الاقتصاد المجزية (أسميها لاحقا البرجوازية المركزية). وعبر عقود حكم حافظ الثلاث، تراكبت تناقضات جديدة أو متجددة في هياكل الدولة الوطينة السورية. أولها، التناقض بين هياكل سياسية ضيقة وسكان تزايدوا من 6 ملايين عام 1970 إلى 9 ملايين تقريبا عام 1980، ونحو 18 مليون عام 2000، ووجدت نسبة عالية منهم خارج الحياة الوطنية اقتصادياً (42% يعيشون من الاقتصاد غير المنظم في مطلع القرن) وسياسياً.

وثانيها، أن دولة الأسد لم تقارب وضع «الدين العام»، أعني الهيمنة السنية في مجالات التعليم والأحوال الشخصية والاحتفالات الدينية العامة. بالعكس، وجدت مناسباً لها أن لا تمس بهذه الأوضاع لحماية انفرادها التام بالسلطة السياسية.

وفي المقام الثالث، أعاد نظام حافظ الأسد إنتاج التناقض الطبقي السابق للحكم البعثي عبر بنيانه التسلطي، الذي طور سمات شمولية وفاشية تدريجيا. وفي عهد بشار احتد هذا التناقض بين البرجوازية بجناحيها، المحلية والمركزية، وبين شرائح مفقرة ومهمشة من السوريين بفعل هيمنة نموذج ليبرالي جديد للتنمية، وتفكك الأجهزة الشعبوية المورثة عن الأزمنة الباكرة من الحكم البعثي والأسدي. ويتصل التناقض الأبرز ومنبع العنف المتكرر في سوريا بالتعارض بين هذا الطابع بالغ الضيق لنخبة السلطة وبين سيطرتها على الدولة العامة.

لكن لنعد، إلى البداية الاصطلاحية، عام 1970 الذي استولى فيه حافظ على السلطة بانقلاب عسكري.

تأمين النظام

كان ظاهراً منذ وقت مبكر من حكم الرجل أنه يؤسس لبقاء طويل الأمد في السلطة. من مواليد 1930، كان حافظ الأسد فتى في التاسعة عشر حين بدأت الانقلابات العسكرية عام 1949 في سوريا المستقلة قبل ثلاث سنوات، وشاباً ينضج في عقد الخمسينات النشط والمضطرب سياسياً، الذي تعاقبت فيه انقلابات عسكرية وأوضاع سياسية تعددية وأكثر انفتاحاً، ثم ضابطا وشريكاً مؤسساً في خماسي اللجنة العسكرية البعثية السرية في مصر أيام الوحدة السوية المصرية (1958-1961)، قبل أن يشارك عسكريين بعثيين وناصريين في الانقلاب البعثي عام 1963، ويكون شريكاً أساسياً في انقلاب 1966، ثم بطل انقلاب 1970 وسجّان رفاقه السابقين. سجن صلاح جديد، أمين عام حزب البعث 23 عاماً حتى موته، ورئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي 22 عاماً، ولم يفرج عنه حتى كان مؤكداً أنه سيموت خلال شهور بالسرطان.

خلال تلك السنوات العشرين التالية للاستقلال كانت الفكرة المهيمنة هي القومية العربية في صيغة «ليبرالية»، ثم في صيغة «اشتراكية»، ولكلتيهما نظرة سلبية إلى الطائفية، وإن يكن السجل الواقعي مختلطاً ومشوباً. على أن انقسامات جهوية هي التي كانت الأبرز حضوراً على مستوى النخبة العليا قبل الزمن البعثي والأسدي، وشكت أكثر مناطق البلد من الإهمال لحساب المدينتين الكبريين، دمشق وحلب، وبدرجة أقل حمص وحماه. كانت الأرياف مهملة، والمدن الأصغر كذلك. ومنهما، الأرياف والمدن الأصغر، ظهر الكادر العسكري لحزب البعث، واتسعت قاعدته الاجتماعية.

الدرس الذي يرجح أن الرجل استخلصه من التجربة هو أن الحفاظ على الحكم في سوريا أهم من الوصول إليه. ومعلوم أنه فعل كل شيء كي يحتفظ بالحكم «إلى الأبد»، على ما كان مفروضاً على طلبة المدارس وجنود القوات المسلحة الهتاف كل صباح في العقدين الأخيرين من حكمه.

كل شيء فعلاً، من الأغاني التي تهتف باسمه إلى المجازر، مروراً بتماثيل لا تحصى له و«المظاهرات الشعبية العفوية» والسجون. وبالاعتماد على الطائفية دوماً.

أول شيء بنى أجهزة أمنية قاسية ومرهوبة الجانب، ورأّس عليها ذوي قرباه وموثوقيه من العلويين، مع أولوية بينهم لأبناء عشيرته (ثم عشيرة زوجته) على ما يظهر حنا بطاطو، وأولوية أخرى ضمن العشيرة لأسرته. المبدأ الذي ثابر عليه طوال سنوات حكمه هو أن أمن النظام وركائز استمراره ينبغي أن تكون بيد من يأمن لهم من أهل القرابة والثقة، الأمر الذي يقتضي بطبيعة الحال تمييز هؤلاء على غيرهم على مستوى الكليات العسكرية والتطوع في الجيش وإشغال المناصب الأعلى أو مواقع التحكم الفعلي في أجهزة القوة. ومن المفهوم لبيئة مفقرة ومحتقرة طوال قرون من الحكم السلطاني أن تبادر إلى التطوع في الجيش والأجهزة الأمنية إن كان الباب مفتوحاً، حتى لو لم يكن هناك تمييز لصالحها. كان علويون أخذوا يتجهون إلى الجيش منذ أيام الانتداب الفرنسي بوفرة تتقاطع في تفسيرها الحاجة إلى عمل ودخل، مع تشجيع فرنسي، ومع انكفاء سوريا السنية المدينية عموما عن الجيش (بفعل تفضيل التجارة والمهن العلمية من جهة، والنفور من جيش أجنبي من جهة ثانية). لكن التمييز لصالح علويين في هذه الأجهزة كان موجوداً منذ اللحظة الأولى من طرف الدولة الأسدية.

وبالمثل، بنى حافظ تشكيلات عسكرية وظيفتها أمنية، مثل سرايا الدفاع والحرس الجمهوري والقوات الخاصة، ورأّس عليها المقربين أيضاً، أخوه رفعت قائدا للسرايا، وعلى الحرس شقيق زوجته عدنان مخلوف، وعلى القوات الخاصة علي حيدر. وفي الوقت نفسه قيّد الجيش النظامي بأن جعل كل تشكيل عسكري مكون من قائد للتشكيل ومسؤول حزبي ومسؤول أمني، مع تحاص طائفي للمناصب غالبا، بحيث يتعذر على أي تشكيل أن يتصرف بصورة موحدة، ومع أولوية غالبة للمسؤول الأمني. حافظ أسد هو الحاكم العسكري لسوريا الذي أضعف دور الجيش المستقل في السياسة إلى أقصى حد، وجعل منه أداة للقمع الداخلي والإقليمي بكل معنى الكلمة. والملاحظة اللافتة أن نزع الصفة السياسية الفاعلة للجيش السوري سار يدا بيد مع انطواء صفحة الحرب بين سوريا وإسرائيل (1973- 1974). بعدها مباشرة تقريبا (1976) انفتحت صفحة الحرب ضد فلسطينيين ولبنانيين في لبنان، ثم ضد سوريين في سوريا. لقد تحول الجيش من جيش وطني مفرط التسييس إلى جيش نظام منزوع السياسة، أو أداة منفعلة للسياسة، وعملياً حرس بريتوري للطغيان. والنقطة المهمة هنا أن وصف نظام حافظ، ثم ابنه بشار، بالعسكري غير صحيح. الصحيح، مؤقتاً، وصفه بالنظام الأمني أو المتمركز حول الوظيفة الأمنية، والقائم على أجهزة المخابرات وقت السلم، وعلى وحدات عسكرية ذات وظيفة أمنية وقت الحرب.

الأجهزة الأمنية ترتبط مباشرة بالرئيس حصراً، وليس بأية سلطة مدنية، وليس لها أن تقيم صلات مستقلة فيما بينها أيضاً. الرئيس هو القائد الأعلى لأجهزة أمنية متنافسة، وهو وحده من تلتقي عنده المعلومات القادمة من هذه الأجهزة، والذي يطلع على الصورة الأكثر كمالاً لأي وضع بعينه. قادة الأجهزة أنفسهم يحوزون معلومات أقل شمولاً، أما عموم السوريين فهم موضوع المعلومات الأساسي.

قام النظام السياسي ككل على الولاء للرئيس الذي جمع بين يديه رئاسة الدولة وقيادة الجيش والقوات المسلحة والأمانة العامة لحزب البعث الحاكم. لكن أكثر من هذه المناصب الرسمية، بات الرجل رمز سوريا ومركز الحياة العامة في البلد. وهو أرفع شأناً بما لا يقاس من حزب البعث ومن الحكومة ومن الجيش، ومن المثقفين ومن الشعب، ومن المدن، ومن كل شيء. وصار يوصف بأنه عبقري وحكيم وعظيم، و«سيد الوطن» و«بطل الحرب والسلام» و«القائد الرمز» و«فخر الأمة». وهو المعلم الأول والطبيب الأول والمهندس الأول والمحامي الأول…، ترفع صوره في كل مكان، وتنصب له التماثيل في كل مكان أيضاً. ولعل الغرض من هذا التعظيم الذي شكل وظيفة ثابتة لكل مؤسسات السلطة يتعدى إقناع الناس بعبقريته وحكمه وبقائه الأبدي إلى إرعابهم وشل فكرة الاعتراض في نفوسهم. ويبدو أن عموم السوريين أدركوا أن نظاما على هذه الدرجة من تمجيد ذاته مستعد لفعل كل شيء كي يبقى في السلطة.

كان الولاء للرئيس ومديحه الذي لا يعرف حدوداً للمبالغة، ورفع اللافتات الممجدة له، مشروعاً للكسب الخاص أيضاً، شيئاً يتوسله أشخاص وأسر وجماعات لتخويف غيرهم ونيل أفضليات على حسابهم من جهة، ولتحقيق مصالح خاصة عند جهات عامة، محلية أو مركزية، من جهة أخرى.

لكن المغزى الفعلي لذلك هو أن في البلد شخصاً حراً وحيداً (بما يصادق على القول العنصري لهيغل عن «الشرق»)، أي أن هناك سياسياً وحيداً وصانعاً وحيداً للسياسة هو حافظ الأسد. لا أحزاب سياسية، لا سجال سياسي، لا نقاشات سياسية في البرلمان أو الصحف أو الجامعة، لا رأي حراً، ولا اجتماعاً طوعياً مستقلاً، ولا احتجاجات علنية أو تجسيداً عاماً لكلمة لا. السوريون جميعا غير الحر الوحيد عبيد، أو موتى سياسياً.

لكنهم كانوا يقاومون طوال الوقت، وبصور مختلفة.

الأسدية: دولة خاصة وطائفة عامة

لكن ماذا تعني هذه السياسة الخاصة بوضع علويين تفضيلياً في تلك المواقع العسكرية والأمنية؟ ماذا يعني أن أناساً، بدلالة منحدرهم المذهبي الخاص، يشغلون مواقع مفصلية في الدولة، مؤسسة الحكم العام؟ إنه يعني تعميم فئة خاصة من المجتمع، إضفاء صفة عامة عليها، ما يستحق أن يسمى الطائفة العامة التي تشغل موقعاً ممتازاً في الدولة. لا حاجة إلى القول إنه لم يتح لجميع العلويين أو لأكثريتهم إشغال هذا الموقع، لكن علويين شغلوه أكثر من غيرهم بما لا يقاس. أتكلم على طائفة سياسية عامة بغرض التمثيل المفهومي لهذا الوضع التمييزي لمصلحة علويين، دون أن يقتضي ذلك أن العلويين أحرار سياسياً، أو أنهم حاكمون بما هم كذلك. ليسوا كذلك. وينبغي أن يفهم هذه الكلام على نحو ما يفهم الكلام عن طائفة دينية عامة هي السنيين، يجري تعميم عقيدتها تعليمياً وتشريعياً ورمزياً. لا يعود هذا بنفع على جميع السنيين ولا على أكثريتهم، لكنه يسجل امتيازاً بنيوياً لسنيين في هذه المجالات.

وغير وضع الطائفة العامة، وكثمن لها، يعني التمييز لمصلحة علويين في أجهزة الدولة الارتكازية تخصيص «الجمهورية»، أو نزع الصفة العامة للدولة، وإنتاج الدولة الخاصة. «سوريا الأسد» هي الاسم الذي يكثف وضع الدولة الخاصة. وهو يضمر أن الدولة السورية ملك لرئيسها، الأمر الذي مهد في مطلع القرن الجاري لتوريث الحكم بعد موت الرئيس المؤسس.

حجر الارتكاز في خصخصة الدولة هو تطييف الوظيفة الأمنية التي هي العمق غير الظاهر للدولة الخاصة، أو «الدولة الباطنة»، موطن السلطة الحقيقية في البلد.

وأكثر ما يكشف تطييف الوظيفة الأمنية والطابع العدواني للأجهزة القائمة بها هو ظاهرة الشبيحة، مجموعات خاصة غير منظمة، تلتف حول رؤساء لها من بيت الأسد أو أسر علوية أخرى نافذة، و«تُشبّح» على «الدولة الظاهرة» التي سأتكلم عليها لاحقاً، وعلى عموم السكان. الظاهرة قديمة، تعود إلى ما بعد الانتداب السوري على لبنان عام 1976، ازدهرت في الثمانينات، وبلغت أوجها أثناء الثورة. فمنذ بدايتها، قام الشبيحة بحماس بدور أمني عام دون أن تكون لهم أي صفة عامة، الأمر الذي يحيل بوضوح إلى وضع الطائفة العامة والدولة الخاصة، وإلى ارتباطهم الوثيق بما أسميه الدولة الباطنة (سيجري الكلام عليها بعد قليل أيضاً). ومعلوم أنه جرت في أواخر عام 2012 مأسسة الشبيحة، بإشراف إيراني، في إطار ما يسمى «قوات الدفاع الوطني» التي تشارك النظام حربه ضد بيئات الثورة السورية. وعلى هذا النحو، تحول الشبيحة إلى قوة قمعية منظمة، وهذا وقت كانت الأجهزة الأمنية الرسمية تظهر كقوى تشبيح وإجرام منفتلة منذ أيام الثورة الأولى، قبل أن يتكشف في الشهر الأول من عام 2014 أنها قتلت 11 الف سوري تحت التعذيب خلال 29 شهرا، من بداية الثورة حتى آب 2013، ما يجعلها فعلياً مصانع موت بالجملة.

لكن ما الذي دفع النظام إلى الاعتماد على الثقة «الطبيعية» لذوي قرباه الأهليين، بدلاً من العمل على تطوير ثقة وطنية، وهو الذي يعتنق عقيدة قومية عربية؟ شيئان: أولا، التكوين المتواضع لنخبة الحكم الجديد، وضمور البعد القيمي في شخصية حافظ الأسد، مقابل نزعة كلبية (سينيكال) قوية. كان يعتقد أن معظم الناس لا يتطلعون إلى غير الكفاية المادية، وأن قلة منهم معارضون في كل حال، وسجن المزة موجود لمثل هؤلاء. كان يسهل أيضا فساد الجميع حوله كي يضعهم في موقع الإدانة ويقوض قدرتهم على لعب دور سياسي مستقل، ويحقد على من يتعذر إفسادهم. ويتصل بذلك، ثانيا، مبدأ «اقتصادي»: الثقة الوطنية صنعية، تقتضي استثماراً أقوى في المواطنة والمساواة الحقوقية والسياسية، وتخلياً عن شهوة الحكم الأبدي. «الثقة الطبيعية» منجم، متاح استثماره بقليل من الجهد، ويعود بـ«ريع» من الولاء القوي يكفي لحماية نظامه. أما الثقة الوطنية العامة فهي صناعة، تتطلب مستثمرين أبعد نظراً، وعوائدها أبطأ ظهوراً.

سهل للنظام الاستناد إلى أهل ثقته أن العلويين عانوا فعلاً من هامشية مديدة، لم يبدأ عمومهم بالخروج منها إلا مع الانتداب الفرنسي، وتطورت في أوساطهم سردية مظلومية فعالة، تكلمت بلغة قومية جهيرة (القومية العربية، والقومية السورية) حتى سبعينات القرن العشرين، وبقدر ما بلغة الشيوعية في ثمانينات القرن.

والتقاء السلطة القائمة على الولاء الشخصي، لا على قواعد قانونية مطردة ومؤسسات مستقلة، مع تطييف الركائز الأمنية والعسكرية للنظام، اقترن دوماً بإتاحة تماهٍ متفاوت للسوريين في الدولة، بحيث يشعر بعضهم أنه مرتاح وفي بيته، بينما يشعر آخرون بالغربة والإحباط. ولتفاوت التماهي هذا فاعلية انقسامية، هي ما صُمِّم مفهوما الوطنية والوحدة الوطنية لاحتوائها. يحتكر النظام تعريف الوطينة بصورة موجهة نحو كبت تسرب التماهي المتفاوت إلى سطح الحياة العامة، ومنع أي نقاش حول منابعه السياسية والاجتماعية. الوحدة الوطنية في سوريا تعني التكتم التام على الطائفية والممارسات المرتبطة بها، وتجريم من يتكلمون في الأمر بذريعة «إثارة النعرات الطائفية». هذا لا يحمي مماسات النظام الطائفية فقط، وإنما يقلب الواقع لتكون إضاءة التمييز والاعتراض عليه هي الفعل الطائفي.

وكان لافتاً قبل الثورة السورية تطوع مثقفين لحراسة هذا التابو، والوطنية المؤسسة عليها وتوجيه الاتهام بالطائفية لأدباء ومثقفين يعملون على كسر التحريم الطائفي. يكمل هؤلاء عملياً دور الأجهزة الأيديولوجية التي تعمم مفهوم الوطنية التمييزي المتكتم على الطائفية، ودور الأجهزة الأمنية القامعة لمن ينتهك التحريم. لن أتوسع هنا في سيرة حراس المحرم هؤلاء، بأمل تناول مستقل له. لكن هذا الكفاح الحامي للتابو يدل على أن وقائع الطائفية، والأدوار السياسية والأمنية الحارسة لها، والثقافة والتصورات المنتجة لتمويهها وحجبها، ولمحاصرة منتهكي التابو، هذه كلها وقائع دينامية وصراعية، لا تكف عن إنتاج مفاهيم وخطابات وممارسات تحمي أوضاع الامتياز الاجتماعي والسياسي المرتكز على الطائفية. الكفاح من أجل الامتياز مستمر مثل الكفاح ضد التمييز.

ارتبطت إعادة إنتاج النظام لنفسه منذ نشوئه بإعاة إنتاج الانقسامات الطائفية، وتراجع الوزن السياسي للرابطة السورية العامة. صار السوريون مع مرور الزمن سوريين أقل، ومنسوبين إلى جماعاتهم الأهلية أكثر. هذا لم يحصل عفو الخاطر، بل هو نتاج سياسة تمييز منهجية محصنة بقمع تتولى القيام به الأجهزة الأكثر طائفية في البلد. الطائفية أداة حكم فعالة، ليس لأن النظام يعتمد عليها في أمنه وبقائه، ولكن كذلك لأنها تتيح تفريق صفوف المحكومين، واتجاه العلاقات فيما بينهم إلى التباعد لا إلى التقارب، والخوف من بعضهم لا الثقة ببعضهم. يعزز من ذلك أن العلاقة بين الأجهزة الأمنية وعموم السوريين تعتمد على العنف الجسدي والإذلال، وتحاكي في الواقع العلاقة التي تقيمها قوات الاحتلال الإسرائيلية مع الفلسطينيين، أو العلاقة الاستعمارية عموماً. الطابع الشخصي للعنف والإذلال ينتج الروابط العضوية وينتج عنها في آن. المعنّفون المهانون يندفعون إلى التكوم على رابطتهم القرابية التماساً للحماية، كما يتكوم شخص يهاجمه من لا قبل له بهم على نفسه لحماية عضويته. ويمتنع أن يطور المعنّفون نظم تفكير وقيم عمل أوسع أفقاً من الجماعة الأهلية. بالمقابل، يبدو أن الارتباط بين الانتقام كشكل للعنف مرتبط بالإذلال وبين الروابط الأهلية أقوى من أن يكون عارضاً. عنف العشيرة إذلالي وتحقيري، لأن الكرامة محمولة هنا على جماعة العشيرة لا على الفرد. وقريب من ذلك عنف الطوائف. مكانة طائفتنا أو كرامتها وشرفها لا تصان دون الرد على عنف طائفتهم بأقوى منه، وحفر الرد في ذاكرتهم، وفي وقائع تروى. موقع النساء مهم من هذا الباب في سجل عنف تشكيلات بطريريكية مثل العشائر والطوائف.

مفهوم العدالة المرتبط بالقانون والدولة الحديثة يراهن على الفصل بين العقاب والإذلال (لكن ليس في العلاقة مع دول أخرى، أو خصوصاً «حضارات» أخرى)، وعلى أن يكون العقاب فردياً ومجرداً، لا يطال التكامل الجسدي والمعنوي للشخص المعاقب. في سوريا لم تتطور العدالة يوماً لتقارب هذا المثال، لكنها سجلت انحطاطاً كلياً في العهد الأسدي نحو الإذلال والتعذيب العقاب الجماعي، وصولاً إلى المذابح وحصار المناطق. وهذا مرتبط بصورة وثيقة مع تقويض مبدأ الدولة والعدالة القانونية، ومع اعتماد الطائفية أداة حكم أساسية. تميل أجهزة النظام بصورة متواترة إلى التفكير في أن خصوم النظام يخاصمونه لأسباب طائفية حصرا. ويجد المرء نفسه أمام الأجهزة الأكثر طائفية في البلد مدعواً إلى إثبات وطنيته ولا طائفيته!

وهناك ما يشبه ذلك تماماً بخصوص الحراس الثقافيين للتابو الطائفي: يميلون إلى إرجاع كل معارضة جذرية للنظام إلى أسباب طائفية حصراً. وهو، بالمناسبة، ما يناسب الإسلاميين، والسلفيين منهم بخاصة.

مجمل هذه الملاحظات ضروري كي نبقي في بالنا أن الطائفية علاقة قوة بقدر كبير، ليست تعبيراً سياسياً عن المجتمع أو الدين أو الثقافة، ولا هي مجرد إطار للمحسوبيات وقضاء الحاجات، كما سيظهر لاحقا. حين نتكلم على الطائفية نتكلم على كراهية وعلى إكراه، وعلى تمييز وعدم ثقة، على امتياز اجتماعي وسياسي، وعلى حرب وعلى خداع. هذه التداعيات المعلومة للمفهوم تؤشر على كم يمكنه عبر السنين والعقود أن يصير خزاناً للقتل والجريمة والمذابح، وحروب لا تنتهي.

في المحصلة، ارتبط صعود الطائفية وانتشارها بتعميم غير مبرر وطنياً لجماعة خاصة، وهو ما اقترن طول الوقت أيضا بصعود العنف وتحكيمه في الحياة العامة، ومعه التعذيب والكراهية. لا على مستوى المقدار، ولا على مستوى النوع، عرفت سوريا هذا العنف الهائل الممتزج بالكراهية منذ وقت مبكر من الحكم الأسدي. لقد جرى توسل تعميم العلويين استراتيجية للسيطرة السياسية الدائمة، للامتلاك الدائم للدولة العامة، ثم للبلد نفسه، من قبل حافظ الأسد وأركان حكمه. وشكل وضع الطائفة العامة والدولة الخاصة وجهان للنظام الذي أسسه الرجل وبنى هياكله، قبل أن يورثه لابنه بشار. الوراثة ليست شيئا طرأ على النظام من خارجه، إنها وجه أساس للنظام السلطاني المحدث الذي تشكل الطائفية والتماهي الطائفي المتفاوت أداة حكم له، والذي يثابر على تصنيع العصبية المناسبة لاستمراره «إلى الأبد». الحكم السلطاني أبدي تعريفاً، ووراثي تعريفاً. الطائفية من لوازم التأبيد والوراثة.

 الأسدية: دولة ظاهرة ودولة باطنة

تمايزت منذ وقت باكر من حكم بطل هذه القصة، حافظ الأسد، دولتان في سوريا: دولة ظاهرة، عامة ولا طائفية، لكن لا سلطة حقيقية لها؛ ودولة باطنة، خاصة وطائفية، وحائزة على سلطة القرار فيما يخص المصائر البشرية والعلاقات بين السكان وتحريك الموارد العامة، فضلاً عن العلاقات الإقليمية والدولية. تتكون الدولة الظاهرة من الحكومة والإدارة والجيش العام والتعليم والمؤسسات العامة و«مجلس الشعب» والقضاء والمحاكم، إنها عالم الموظفين التنفيذيين الذين لا سلطة لهم، ولا حرية. فيما تتكون الدولة الباطنة من الرئيس (والأسرة الأسدية اليوم) ومن الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية ذات الوظيفة الأمنية، واليوم من أثرياء السلطة الكبار، وأبرزهم رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد. محروسة بالخوف، الدولة الباطنة ليست مرئية من قبل عموم السوريين، ولا نفاذ لهم إلى آليات القرار فيها. أركان الدولة الباطنة الأمنيون يصفون أنفسهم بأنهم أبناء النظام، أو النظام ذاته، فيما كبار الدولة الظاهرة مجرد موظفين. الفرق بين الكبير والصغير في الدولة الظاهرة أصغر من الفرق بين كبير في الدولة الباطنة وكبير في الدولة الظاهرة. أو، بعبارة أخرى، ليس هناك إلا صغار في الدولة الظاهرة. الكبار موجودون في الدولة الباطنة.

ولوضع الدولة الباطنة أثره على العلويين الذين يشغلون موقع الطائفة السياسية العامة، ويتمثل في توثيق ارتباطهم بالدولة الأسدية. في الأصل ليس لدى العلويين مؤسسة دينية قوية، لكن هذه المؤسسة الضعيفة أُضعفت أكثر في ظل حافظ الأسد، فلم يعد هناك تحقق عام للعلويين غير «دولة» صارت باطراد مناط هويتهم الجامعة. مرّ ذلك بمسار من قمع أية تعبيرات سياسة مستقلة بين العلويين أنفسهم أو استتباعها: «الشباطيون» الذين كانوا بعثيين أصلب أيديولوجياً من بعثيي حافظ الأسد اعتقلوا وأضعفوا، ولم يفرج عن رمزهم، صلاح جديد، إلا ميتا في عام 1993. ونال «حزب العمل الشيوعي»، وكانت نسبة تمثيل العلويين فيه عالية، مصيراً مماثلا في ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته. ولا يبعد أن اختطاف وتغييب عبد العزيز الخير في أيلول 2012 يندرج ضمن المنطق نفسه: ضرب إمكانية ظهور أي تعبير علوي مستقل عن النظام.

لكن هذا الوضع مرّ أساساً عبر التمييز الفعلي لمصلحة العلويين في أجهزة الدولة الارتكازية، الأمن بخاصة، ثم الإعلام والجهاز الدبلوماسي.

والمهم، في هذا السياق، أن الطائفية ليست من الممارسات والأوضاع التي تجري على مستوى الدولة الظاهرة. على هذا المستوى ثمة ضرب من العمومية السورية، اسمه الأيديولوجي هو «الوحدة الوطنية»، ويراعى فيه غالبا ضرب من التوازن الطائفي التقريبي على مستوى توزيع المناصب. وحين يرفض مثقفون أو ناشطون سوريون وصف النظام بالطائفي، فإنهم يتركون لعالم الدولة الظاهرة السوري العام أن يخدعهم (هذا حين لا يكونون حراساً للتابو الطائفي). بيد أن هذا يرد كلامهم إلى أيديولوجيا تبريرية، تخفق في الكشف عن منابع التسلط والاستتباع الحقيقية في المجتمع. الطائفية هي مبدأ تماسك الدولة الباطنة، ونهجها غير المعلن في التعامل مع السكان. وليس مفهوماً أن لا يجري تناول صريح لهذا الواقع الذي هو منبع للتزييف والمراوغة والتكاذب في الحياة السورية العامة، فوق كونه منبعا للكراهية والعنف والمذابح.

من أجل تمثيل رمزي لحقيقة العلاقة بين الدولة الظاهرة والدولة الباطنة، يفيد الالتفات إلى رزنامة الأيام الوطنية ومكانة أيام الدولة الأسدية أو الدولة الباطنة بالمقارنة مع أيام البلد والدولة الظاهرة. العيد الأكبر منذ عام 1970 هو ذكرى «الحركة التصحيحية المباركة التي قادها السيد الرئيس حافظ الأسد» في 16 تشرين الثاني، تتكرس خلاله وسائل الإعلام المختلفة أياما لتمجيد المناسبة وصاحبها، ويحيّيها معلمو المدارس في صفوفهم، وتعم اللافتات بصور «القائد الرمز» في الشوراع والساحات وأمام مقرات المؤسسات الرسمية وعلى أبوابها. يليها ذكرى انقلاب 8 آذار الذي استولى فيه عسكريو حزب البعث على الحكم عام 1963، فيما انزوى ما يفترض أنه العيد الوطني الجامع، يوم جلاء القوات الفرنسية من سورية، 17 نيسان، إلى مكانة ثانوية.

جرت على هذا النحو إعادة هيكلة الذاكرة الوطنية بحيث يشغل حافظ الأسد الموقع المؤسس الذي لا يدانى. أما الزمن قبل الأسدي فقد جرى التكتم عليه بصورة تامة، ولا يذكر إلا بصورة طقسية بوصفه زمنا لـ«الإقطاع والبرجوازية».

«سوريا الأسد»

 بعد أن كانت سنوات حكم حزب البعث السبعة السابقة لانقلاب حافظ الأسد شهدت تأميمات صناعية وتجارية وإصلاحاً زراعياً وتوسعاً للخدمات الاجتماعية، توقف هذا النهج في عهد حافظ الأسد، وإن لم يتراجع عن شيء مما تحقق. وبدأ بإرخاء القيود السياسية والإدارية المفروضة على النشاط الاقتصادي للبرجوازية السورية التقليدية.

ومنذ السنوات الباكرة من حكمه، وخاصة بعد حرب 1973 ضد إسرائيل وتدفق أموال خليجية على الدولة الأسدية الفتية، بدأت تتشكل طبقة مثرية من داخل الحكم البعثي، تعتمد في دخلها على احتكار أدوات الإكراه العامة، وعبر شراكات إجبارية مع ما بقي من البرجوازية التقليدية. كانت هذه تلقت ضربات كبيرة أيام الوحدة مع مصر، وكذلك في السنوات السابقة من الحكم البعثي، فانحدرت إلى موقع تابع، وفقدت أية تطلعات سياسية مستقلة.

وفي المجمل، أخذ مستوى العدالة الاجتماعية يتراجع تدريجيا، وصار الموقع في السلطة العمومية يضمن أفضلية اقتصادية اجتماعية لأصحابه. كان رفعت الأسد، شقيق حافظ، وقائد التشكيل الأقوى المولج بحماية النظام حتى عام 1984، تجسيداً لتلاقي السلطة والثروة، ولمبدأ الشراكات الإجبارية مع برجوازيين دمشقيين أقدم، وجنى ثروته من هذه الشراكات، ومن النهب المباشر وتجارة الآثار، ومن حيازة ميناء خاص به، لم يُغلق حتى جرى إبعاده بفعل تطلعه إلى الحلول محل أخيه المريض وقتها، 1984. ثم مما أعطاه أخوه من أموال اقترضت من ليبيا على ذمة مصطفى طلاس مقابل إخلاء موقعه في السلطة.

على أن رفعت الذي طرد كشخص ترسخ كبرنامج ونهج. فأجهزة الأمن والتشكيلات العسكرية الأمنية التي خرجت لتوها منتصرة من مواجهة احتجاجات اجتماعية وسياسية نشطة، ومن صراع مسلح مع الإسلاميين، أعطيت خلاله ضوءا أخضر للتفظيع بالمهزومين، أعمارهم وممتلكاتهم وروابطهم الاجتماعية، هذه الأجهزة والتشكيلات كان لا بد من تمييز رؤسائها بعطايا وامتيازات مباشرة أو غير مباشرة، ومنها شراكات إجبارية مع وجهاء محليين: ملاك أراضي في منطقة الجزيرة، صناعيين وتجار في حلب ودمشق ومدن أخرى، فضلا عن وكالات الشركات الأجنبية… وكل على مقياسه: الكبار يشاركون الكبار والصغار يشاركون الصغار، أو تفتح لهم علاقة القوة التي بين النظام، ومكونه الطائفي بخاصة، وعموم السكان باب الابتزاز والرشوة. منطق السيطرة الأمنية الذي وضع البلد عملياً تحت الاحتلال، ووضع أدوات الاحتلال الأمنية في الموقع الأقوى للتحكم بالتفاعلات الاجتماعية، ومنها المبادلات الاقتصادية، وجعل منهم شريحة السادة التي تحظى بالثروة لكونها تملك السلطة. رفعت هو «الاسم التجاري» لبرنامج جني الثورة بالسلطة. رحل المسمى إلى أوربا، كعبة «البرجوازية المركزية»، مع ملياراته بعد صراعه مع أخيه على السلطة، لكن الاسم بقى، وصار نهجاً عاماً.

وعدا ما يقال عن أن ميزانية الجيش تستهلك نسبة عالية من الميزانية السورية، والأرجح أن أكثرها يذهب إلى الأجهزة والتشكيلات ذات الوظائف الأمنية، فإن معظم دخل كبار رجال هذه الأجهزة ومتوسطيها وصغارها يأتي من ابتزاز قطاعات واسعة من السكان، وتحويل الدخل لمصلحة هذه الانكشارية الأمنية المرهوبة. وهذا ما يسوغ الكلام على استعمار داخلي، أو على علاقة استعمارية شكلت إطاراً لاستيلاء المفارز الأسدية المسلحة، الموزعة في كل أرجاء البلد، على موارد خاصة وعامة بالقوة، وتشكلت بالمحصلة طبقة جديدة، عمادها كبار رجال الدولة الباطنة من مقربي الأسرة الأسدية وموثوقيها وشركائها. كان تجريد المجتمع من السلاح والقدرة على الدفاع عن نفسه هو ما يسمى «الأمن»، وهو مساحة تقاطع مفهوم الدولة الفيبرية مع حكم الطغمة التي تحكم بأسلوب استعماري. هو أيضا منبع اتهام كل مقاومة مسلحة بالإرهاب، وفق المنهج الاستعماري المجرب، وأقربه إلينا منهج إسرائيل.

ما سبق يكفي لإعطاء فكرة عن حال العدالة الاجتماعية، أما العدالة القانونية فسقطت سقوطا حراً. كانت الأجهزة الأمنية تقوم بوظائف قضائية، تعتقل وتعذب وتحبس، دون أن تُساءل. ولم يحدث لمرة واحدة في عقود الحكم الأسدي أن تعرض مسؤول أمني للمساءلة بسبب جرائمه بحق العموم، ومنها قتل واستيلاء على ملكيات على نطاق واسع.

كان هناك أيضا قضاء عسكري وقضاء أمني استثنائي يُقدّم أمامهما مدنيون. أما القضاء العادي فسجل تدهورا مطِّردا ونخره الفساد والتخريب الحزبي والأمني.

حال العدالة السياسة كان أسوأ بعد. السجون امتلأت بعشرات ألوف المعارضين السياسيين، من الشيوعيين إلى الإسلاميين، مروراً ببعثيين وناصريين ومواطنين أفرادا تعرضوا لوشاية حقيقية أو كيدية. وجميع هؤلاء تعرضوا للتعذيب (عدا من استدركتهم واسطات مؤثرة) والإهانة. وقضى بعضهم تحت التعذيب، وقضى كثيرون منهم سنوات طويلة في السجون، وأعدم ألوف الإسلاميين في سجن تدمر الذي ظل نزلاؤه يتعرضون لتعذيب عشوائي يومي حتى نهاية القرن العشرين، ودُفن المقتولون في مقابر جماعية غير معلومة حتى اليوم. وكانت مقتلة حماه 1982 نقطة النهاية، لا في الصراع مع الإسلاميين، بل في أية حقوق سياسية لعموم السوريين.

باختصار، لم تعد هناك أية عدالة في سوريا، ولم يكن هناك مرجع من أي نوع يستطيع أن يحتمي به أو يشكو إليه المستضعفون من عدوان آل السلطان وأعوانهم.

وبقدر ما تمركز النظام بإفراط حول وظيفة السلطة على الناس، أخذ كل شيء آخر يتراجع: التعليم، الاقتصاد، الإدارة، الثقافة، الجيش…، وبقدر ما صارت السلطة متمركزة حول شخص الرئيس، صار الولاء له قيمة القيم، وتطورت وظيفة إنتاج للولاء عابرة للمؤسسات العامة، بما فيها البيروقراطية والمدارس والجامعات والنقابات والشركات الحكومية، فضلا عن الجيش طبعا، وعن المنظمات الشعبية وحزب البعث. والولاء وظيفة وثيقة الارتباط بوظيفة أمنية لهذه المؤسسات نفسها: مراقبة كادرها، وكتابة التقارير الأمنية بمن يُشك بولائهم، والمشاركة المباشرة في عمليات القمع عند اللزوم. «التقارير» هي مواد مكتوبة ترفع للأجهزة الأمنية من مخبرين محترفين أو متطوعين، تتضمن معلومات عن أن هذا أو ذاك من الناس، بحضور فلان وعلان، قال كذا أو فعل كذا أو امتنع عن فعل كذا، حين كان يجب عليه القيام به. تعمم هذا الوباء منذ السبعينات تحت تأثير الخوف والطمع، الخوف من أنه إن لم تكتب أنت تقريراً بواقعة شهدتها، قد يكتب غيرك، ويذكر أنك كنت شاهداً على الواقعة، وقد تتعرض لعقاب شديد لكتمانك الأمر؛ والطمع بفرص للترقي والمكافأة على الإخلاص في الولاء. كان الولاء ممزوجا بالخوف دوماً، وبالمكسب الشخصي على حساب الغير دوماً.

وكان ذلك تدريباً وطنياً عاماً على الخيانة. تلك الوشايات الأمنية هي بالفعل مدارس للخسة والغدر والدناءة، فوق كونها مصانع للرعب والقتل. ومن هذا الباب سيكون تدميرها ومحاكمة أربابها واجب وطني وإنساني لا يعلى عليه.

الوظيفة الأمنية المعممة، ينبغي أن يكون ذلك واضحاً، أوسع بما لا يقاس من أجهزة الأمن-الخوف، والتطلع الملازم للدولة الأسدية كان أن يغدو الشعب كله مخبرين، أي خونة. وينبغي الإقرار أن نسبة نجاح برنامج تفخيخ المجتمع هذا لم تكن متواضعة. ولا أعتقد إلا أن التفجر المتسلسل الجاري للمجتمع السوري شاهد على نجاح تفخيخ المجتمع والمستقبل.

ما كان يسمى «المسيرات الشعبية العفوية» في «المناسبات الوطنية والقومية» (ذكرى «الحركة التصحيحية»، أي انقلاب حافظ الأسد عام 1970، وذكرى «ثورة 8 آذار المجيدة»، أي الانقلاب البعثي الأول 1963…) هي بمثابة اختبارات لوظيفة تلك المؤسسات في إنتاج مركب الولاء/ الخوف، وكان يجبر طلاب المدراس والموظفون الحكوميون وعمال قطاع الدولة على المشاركة فيها، والهتاف بحياة القائد. ليس أنه لا شيء عفوياً في هذه المسيرات فقط، وإنما هي فعل اغتصاب علني، واستعراض أمام المجتمع لطقس خضوعه لحاكمه. كانت المسيرات تبث مراراً وتكراراً عبر التلفزيون، وتوصف بالمليونية. ومحصلتها عبر السنين فصل عموم السكان عن الفضاء العام وإعلان الملكية السلطانية له.

الاختبار الثاني للولاء هو الاستفتاء على حافظ الأسد رئيسا كل سبع سنوات، وهو طقس صار يطلق عليه تعبير «تجديد البيعة» منذ عام 1985، ثلاث سنوات بعد مذبحة حماه 1982، ووقت كان هناك عشرات الألوف من علمانيين وإسلاميين في سجون النظام. والبيعة تعبير إسلامي قديم، يعني إشهار الناس ولاءهم للخليفة، وهي تجري مرة واحدة في عمر الخليفة، وقت تنصيبه. وتتضمن عنصر إكراه كبير من جهة، وتضميناً بأن من لا يبايع خارج على «إجماع الأمة» من جهة ثانية، وإقرار لتبعية العموم للخليفة، تبعية كان يحد منها في تلك الأزمنة محدودية حضور السلطة أو، استناداً إلى عبدالله العروي، «التخارج» بين الدولة السلطانية والعامة المحكومة، واستقلال الجماعات بشؤونها وأعرافها عموماً. الجديد في النظام الأسدي هو أن «البيعة» تتجدد كل سبع سنوات (وهي ضريبة شكلية للانتخابات الدورية في الدول الديمقراطية)، وبدل وفود «أهل الحل والعقد» تشد على يد السلطان الجديد علامة على المبايعة والولاء في الزمن القديم، صار مفروضاً على الناس إيداع أصواتهم الموافقة في صناديق استفتاء، مع مزيج من صفة كرنفالية وعلنية للتصويت، ومن مراقبة أمنية، بما يحول دون أن يتجاسر أحد على التصويت بلا. والأرجح أن حافظ أراد من تعميم مفهوم «البيعة» نيل شرعية إسلامية، تكفل له تبعية السكان، وضمان «إجماع» مضاد لـ«الشقاق» و«الفتنة» عليه، بما يقصي الاعتراض على نظامه إلى حيز الخيانة أو «الكفر»، وبما يضمن له أن يكون خليفة أو سلطاناً على السوريين «إلى الأبد».

وبعد حماه 1982 صارت المبايعة تجري بالدم: ينخز الموالون المتحمسون إبهامهم بدبوس، ويبصمون على ورقة الاستفتاء، ويضطر غيرهم إلى مجاراتهم خوفا من الشك في قلة ولائهم. في تلك السنوات صارت ترفع برقيات ولاء بالدم لحافظ الأسد، يعلن كاتبوها استعدادهم لافتداء «عظيم هذه الأمة»، «القائد المفدى»، بأرواحهم ودمائهم، وولاءهم «المطلق» له. في هذه السنوات ذاتها، وبعد أن كان قتل نحو 30 ألفا، صار يطلق على حافظ لقب «الأب القائد» (كان لقبه «ابن الشعب البار» في السنوات اللاحقة لانقلاب 1970)، وهو ما يشير إلى توقع أن ينال هذا الأب طاعة جميع الأبناء من جهة، وإلى تقدم البطريريكية، علاقات وثقافة من جهة ثانية.

عبر «البيعة» و«الأبوة»، صارت الدولة الأسدية مضخة لعلاقات الاستتباع والنكوص الاجتماعي، لا يفوق فعلها أي عامل آخر. كان الأبناء العاقون يعاقبون بقسوة رهيبة، يقتلون أو يسجنون سنوات طوالا، وينكر وجودهم. «الأب القائد» نال فوق 99% في مرات الاستفتاء الخمسة على «تجديد البيعة» له. أما ابنه «قائد مسيرة الحزب والشعب»، و«حبيب الملايين» فنال في المرتين فوق 97%. وفي المرة الثالثة، حزيران 2014، وبعد أن كان قد قتل فوق 150 ألف من محكوميه، فاز بأصوات 88% منهم في أول انتخابات «تعددية»، شاركه المنافسة فيها اثنان من كومبارس نظامه.

الأب المؤسس ووريثه يشغلان الموقع الأول في الدولة الظاهرة والدولة الباطنة معاً.

Tags: , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • عند المفاضلة بين الأسدية والداعشية ,أختار بشار !

    جورج  بنا: يرى مؤيدوا منظومة الاستبداد الأسدية  ان ماجرى  ويجري  على الأرض السورية  هو صراع بين  الحضارة من جهة  والهمجية من جهة اخرى ,فهل هذا صحيح ؟  أولا  هناك  نقطة  […]

  • حتى ولو انشق بشار الأسد!

    دخلت الثورة السورية متاهات الرعب، والدمار المخطط، الثوار يدافعون عن الوطن، وجوده، وكرامته، يواجهون الخطط التي ترسم في الاروقة السياسية العالمية، والتي تتداول وتناقش بشكل مستمر، فالخطوط الساخنة المهتمة بشؤون […]

  • سوريا ستفرض الحظر الجوي والبحري على المتوسط وشرقه

    روى  أبو هريرة :إن الشيطان إذا سمع النداء  بالصلاة  أحال له ضراط . حتى لا يسمع صوته . فإذا سكت رجع فوسوس . فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع […]

  • استعباد الطائفة العلوية

    بقلم : ربا منصور النظام  نظم  كل فاسد   ومرتزق  وملفق ولقلاق ومنافق   في خدمته  المأجورة  ,  هو يدفع  لمرتزقة من  كل الألوان والأشكال  والطوائف  , ومواد  مدفوعاته متنوعة  منها […]

  • لماذا لايمكن تقسيم سوريا؟

    لا يمكن بحال من الأحول استبعاد أن يكون الرئيس بشار السد وأسرته ومن معه من الحلقة الضيقة التي تصنع القرار قد فكروا بتقسيم سورية كحل أخير. وهم ربما فكروا بذلك […]