رأي عن بينتر ونوبل وسائر أدونيسيي المشرق

December 8, 2014
By

بقلم:عبد الله  أمين الحلاق

***

ليس بلا دلالة هذه السنة، وإن يكن الأمر مصادفة، أن يتزامن اختيار الأكاديمية الأسوجية العليا المخولة منح جائزة نوبل، للروائي الفرنسي باتريك موديانو ليكون هو الفائز بجائزة نوبل للآداب، مع منح جائزة المسرحي البريطاني هارولد بينتر للكاتب سلمان رشدي، المهدور دمه على أيدي آيات الله. بناء عليه، قرر رشدي أن يكون مازن درويش، الصحافي والحقوقي السوري المعتقل في سجون النظام السوري هو من سيشاركه جائزة هارولد بينتر لهذه السنة، بعدما كان هذا الأخير قد حاز جائزة نوبل للآداب في العام 2005 أيضاً قبل وفاته في العام 2008.

لا يخلو موسم نوبل السنوي من جدالات وسجالات بين كتّاب ومثقفين عرب، حول “النزاهة السياسية” للجائزة التي مضت عليها عقود طويلة وهي توزع للمتميزين في مجالات إنسانية كثيرة، وحول “وقوف جهات مخابراتية غربية وراءها تستهدف التقليل من شأن نتاجنا الإنساني نحن العرب”، بحسب كلام غارقين في فعل المؤامرة لا في نظريتها فحسب. كما أن الموسم السنوي هذا يعيد إلى الواجهة دوماً وكل عام، اسم الشاعر السوري أدونيس بصفته مرشحاً أبدياً للجائزة وطامحاً دهرياً لها، لا يكاد يخدش تميزه الشعري والفكري وسط طوفان الدم والاستبداد في بلده إلا عدم حصوله على الجائزة، وليس موقفه من هذا الطوفان والاستبداد، اليوم وسابقاً.

ليس مطلوباً من أدونيس أن يزعق ويصيح مثل بعض المثقفين السوريين المعارضين الذين دخلوا في لعبة السياسة اليومية التي تستهلك المثقف وتبعده عن معنى وجوده كلما غرق في تشكيلات المعارضة وتنظيماتها ودهاليزها، حتى صار هؤلاء صداحين ومتماهين مع الأشخاص والثوابت الوهمية من دون أي محتوى نقدي وتحرري حقيقي لكلماتهم ومواقفهم، ولا أن يؤيد كل مضامين الحراك الثوري ومظاهرها ضد الطاغية تأييداً أعمى، حتى ولو كانت بدايات هذا الحراك الشعبي مختلفة عن مآلاته الراهنة. كما أنه ليس مطلوباً منه أن يتخلى عن نقده المحقّ والمصيب للتطرف الإسلامي والدين الإسلامي. بالعكس، من شأن فك ارتباطه اللغوي والكتابي بـــ“السيد الرئيس بشار الأسد”، وباعتبار الأسد “خصوصاً رئيساً منتخباً” وفقاً لأدونيس في أحد نصوصه بعد الثورة، أن يضع كلام أدونيس السابق والراهن عن التطرف والفكر الإسلامي والفكر الإسلامي التكفيري في مكانه السليم والحقيقي، حيث لا يستوي النظر إلى الجريمتين على أساس أن إحداهما فقط هي القاع الذي نعيشه، بينما يوضع القاع الآخر، الأسدي، السابق على قمة القاع التكفيري اليوم، على هامش النصوص، هذا إن ذكر قاع العائلة الحاكمة في سوريا أساساً حتى على هامش النص، وخارج كونه متمحوراً حول “الرئيس المنتخب خصوصاً”.

نفترض هنا، نظريا،ً حسن النية في تصريحات أدونيس وكتاباته المسكونة بهاجس الاستبداد الديني فقط، وليس أي استبداد آخر، غير ديني.

يستطيع الكثير من المثقفين والكتّاب أن يحصلوا على جوائز، ومن حسن حظ الثقافة وأخلاق الثقافة ورسالتها الإنسانية أن أدونيس لم يحصل على نوبل حتى الآن. استطراداً، وكما هو معروف، يعجّ بحر الثقافة العربية والعالمية بجوائز كثيرة قد يسمع المتابع ببعضها وقد لا يسمع ببعضها الآخر إلا إن حصل “مثقف كبير” على إحداها، كما حصل مثلاً عندما حصل أدونيس على جائزة “باشراحيل” السعودية قبل أعوام. ومن تلك الجوائز ما هو غث لا علاقة له بالثقافة ومبادئ المثقف وقلمه الذي يفترض أن يجرح كل ما هو معادٍ للثقافة وكل ما هو مقيّد لها، ومنها ما هو سمين فعلاً يسمى باسم مثقف إنساني ساهم فعلاً في إعادة الاعتبار إلى “المثقف الحقيقي” كما سمّاه إدوارد سعيد، وهو المثقف الذي طوّح به “مثقفون” كثيرون وألقوا به تحت الحذاء العسكري لـــ“الرئيس المنتخب”، أو لـ“الرؤساء المنتخبين”.

هكذا، نستطيع، ولمناسبة الحديث عن المثقف الإنساني والتكريم والجوائز الإنسانية، أن نتذكر اسم هارولد بينتر، الذي كان معروفاً بمواقفه من الحكومة البريطانية في الحرب على العراق في العام 2003، ومعها الإدارة الاميركية، والذي كان لانقلاب بينوشيه على الرئيس التشيلياني المنتخب سلفادور الليندي أثر تعزيزي لمواقفه الناقدة للاستبداد والحروب، ولحسه النقدي الكبير أمام رموز المظاهر السياسية وسدنتها. هارولد بينتر الذي كان ولا يزال مثقفون سوريون وعرب كثر يستلهمون مواقفه نموذجاً للمثقف الكوني المتضامن مع قضايا الشعوب ربما من دون أن يعرفوه أو يقرأوه جميعاً. فكأن بينتر الذي حمل مازن درويش اسم جائزته لهذه السنة يقول إن العالم كله مدان أمام ما يحدث في سوريا، وسيدفع هذا العالم الثمن على شكل خراب أخلاقي وسياسي أكثر من الخراب العميم السابق والمستمر، ومعه منطقتنا التي تقع خارج العالم ولا تشارك هذا العالم إلا خرابه. كأن كل جائزة أو تكريم لمثقف أو كاتب معارض للسلطان العربي يجب أن تعتبر من البعض “مؤامرة غربية”. هكذا، عزز اندراج الجائزة التي قدّمها سلمان رشدي لمازن درويش في خانة المؤامرة وفقاً للبعض، ذاك أن رشدي معارض لإيران، ودرويش معارض سوري، والنظامان الإيراني والسوري هما، وفقاً لأدونيسيين غير معلنين، قلعة الصمود والتصدي لكل مؤامرة.

أليس كل اعتراض على طاغية هو مؤامرة وخيانة وفقاً لهؤلاء البعض ذاتهم؟

أليست الخيانة السياسية التي يتهم بها كتاب ومثقفون معارضون للسلطات العربية أو منحازون للثورات هي على الضد تماماً من خيانة اللغة للواقع وخيانتها للانحياز الاخلاقي للضحية في نصوص كتّاب ومثقفين آخرين؟

أخيراً، وطالما أن العالم الأسوجي ألفرد نوبل الذي اخترع متفجرات الديناميت، قد صادق على الجائزة في وصيته الأخيرة قبل موته، بعدما أحس بهول ما ارتكبه في حق البشرية باختراعه هذا الموت، فهل سيعتذر بشار الأسد عن اختراعه للبراميل المتفجرة مثلاً التي سبقت الديناميت؟ وهل سيكون هناك جائزة باسم الأسد تستمر لعقود طويلة، ويلهث أدونيسيون كثر وراءها أيضاً؟

***لوحة أنا السوري للفنان عزام التل

==================

Tags: , , , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured