هل «داعش» مسمار جحا جديد لاستباحة المنطقة؟

September 10, 2014
By

بقلم:فيصل القاسم

كم كان وزير الدفاع الإسرائيلي الشهير موشي ديان على حق عندما قال قولته المشهورة: «العرب أمة لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت لا تفعل»! ونحن نقول كم ذاكرتنا العربية والإسلامية قصيرة كذاكرة السمكة، فسرعان ما ننسى لنقع في نفس الأشراك التي لم نكد نخرج منها بعد. لماذا نكرر ببغائياً القول الشريف: «لا يـُلدغ المؤمن من جُحر مرتين»، ثم نسمح لنفس الأفعى أن تلدغنا من نفس الجُحر مرات ومرات؟
لماذا لم يتعلم الإسلاميون من تجربتهم المريرة في أفغانستان؟ ألم تخدعهم أمريكا بالتطوع في معركتها التاريخية للقتال ضد السوفيات ليكونوا وقوداً لها، ثم راحت تجتثهم عن بكرة أبيهم بعدما انتهت مهمتهم وصلاحيتهم، وتلاحقهم في كل ربوع الدنيا، وكأنهم رجس من عمل الشيطان، فاقتلعوه؟ ألم تعدهم أمريكا بالدولة الإسلامية الفاضلة التي ظنوا أنهم يسعون إليها في أفغانستان دون أن يعلموا أنهم كانوا مجرد أدوات لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟ 
بالأمس القريب صفق الكثيرون لتنظيم القاعدة ، واعتبروا قائده محرراً للمسلمين من ربقة الطغيان الداخلي والخارجي. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تبين أن ذلك التنظيم وغيره، بغض النظر عن تطلعاته وأهدافه وطموحاته وشعاراته، تبين أنه كان مجرد حصان طروادة حقق الذين استغلوه الكثير من أهدافهم من خلاله. وما أن انتهى دوره حتى لاحقوه في كل بقاع الدنيا، لا بل وضعوا من ألقوا القبض عليهم من أفراد التنظيم في أبشع معسكر اعتقال في العالم ألا وهو «غوانتانامو». لماذا يكررون نفس الغلطة الآن، علماً أن الكثير من رفاقهم ما زالوا يقبعون في معتقل غوانتانامو، وينعمون بحسن ضيافة الجلادين الأمريكيين؟
ربما يقول البعض إن وضع «داعش» الآن يختلف عن وضع القاعدة أيام زمان. ولا مجال للمقارنة، فداعش سليلة تنظيم الزرقاوي الذي ترعرع في العراق  وأذاق الأمريكيين وأعوانهم الكثير من الويلات، مما حدا بالأمريكيين إلى تصنيع ما يسمى بـ»الصحوات» لمواجهة تنظيم الزرقاوي. وهذا صحيح، لكن العبرة دائماً بالنتائج وبالمستفيد. ماذا استفادت المنطقة، وخاصة العراق من  ذلك التنظيم. هل تراجع النفوذ الأمريكي والإيراني في العراق مثلاً؟ بالطبع لا. فما زالت إيران التي يدعي التنظيم أنه يعاديها تتحكم بكل مفاصل العراق وتتمدد في  سوريا  ولبنان واليمن والخليج. ومازالت أمريكا تحكم قبضتها على بلاد الرافدين.
والسؤال الأهم: هل فعلاً دخل تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق من سوريا واحتل محافظة الموصل ومحافظات عراقية أخرى رغماً عن الأمريكيين، أم بتسهيل وغض الطرف منهم؟ ألم تكتشف الأقمار الصناعية الأمريكية بضع عربات روسية دخلت أوكرانيا بسرعة البرق؟ هل يعقل أن تلك الأقمار لم تستطع اكتشاف جحافل السيارات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية وهي تدخل الموصل وبقية المناطق العراقية؟ هل يعقل أنها لا ترى جماعات الدولة وهي تتنقل داخل سوريا، وتستولي على مدن ومطارات في أرض مكشوفة؟ صحيح أن الطائرات الأمريكية قصفت بعض مناطق داعش في العراق، لكن ليس كل المناطق، بل فقط المناطق التي تجاوزت فيها داعش الخط الأحمر المرسوم لها أمريكياً، وخاصة عندما توغلت باتجاه كردستان العراق حيث المصالح الأمريكية والاسرائيلية.
هل سيسمح العالم، وخاصة الغرب  بقيام دولة داعشية بين العراق وسوريا بالطريقة التي تحلم بها داعش؟ ألا يُخشى أن يكون ظهور داعش وتمددها حلقة جديدة في سلسلة المشاريع الجهنمية الغربية المرسومة لمنطقتنا؟ أليس من حق البعض أن يعتبرها مسمار جحا جديداً في المنطقة تستخدمها القوى الدولية كحجة، كما استخدم جحا مسماره الشهير، لإعادة رسم الخرائط وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ؟
أليس كل الجماعات التي يصفها العالم بـ»الإرهابية» استغلتها القوى الكبرى أفضل استغلال لتنفيذ مشاريعها في أكثر من مكان؟ فعندما أرادت أمريكا تأمين منطقة بحر قزوين الغنية بالنفط، فكان لا بد لها من احتلال أفغانستان. وماذا كانت الحجة؟ ملاحقة تنظيم القاعدة في أفغانستان. ذهبوا الى هناك منذ أكثر من عشر سنوات ومازالوا هناك. ألم تكن القاعدة هي الشماعة لاحتلال أفغانستان؟ حتى في غزو العراق استخدمت أمريكا حجة وجود القاعدة هناك بالإضافة الى أسلحة الدمار الشامل. ألم تصبح الجماعات المتطرفة شماعة لكل من يريد أن ينفذ مآربه هنا وهناك؟ 
ألم يوظفوا تلك الحركات جيداً لتحقيق غاياتهم الاستراتيجية؟ فبحجة الجماعات الإرهابية أصبحت كل منطقتنا مستباحة أمام القاصي والداني كي ينفذ كل ما يريد بحجة مكافحة الإرهاب؟ اليوم بإمكان الأنظمة الدولية القيام بكل الجرائم و الموبقات والخطط في المنطقة بحجة محاربة داعش، وبذلك تلقى دعماً كاملاً من شعوبها خوفاً من داعش، ولن يعارض أحد، لأن كل من يعترض يشتبه بصلته بداعش وبالإرهاب. وحتى لو بقيت الدولة الإسلامية، وتمددت كما يتوعد مؤيدوها، هل سيكون ذلك مجاناً، أم على حساب جغرافية المنطقة وخريطتها؟ 
ما هي الصفقات الدولية والعربية والإقليمية التي تتم من وراء الستار تحت شعار مكافحة إرهاب داعش؟ ألا يخشى أنه كلما ازداد تضخيم داعش إعلامياً كانت المنطقة على موعد مع خازوق تاريخي من العيار الثقيل؟ ألم يتم من قبل تضخيم خطر القاعدة، ثم انتهى قائدها مرمياً في البحر للأسماك؟ أليس من حق الكثيرين أن يخشوا الآن من تكرار السيناريو المعهود في سوريا ودول أخرى مجاورة تحت حجة مكافحة الإرهاب الداعشي؟ ألم يؤد ظهور داعش وأخواتها في عموم المنطقة إلى وأد الثورات العربية وأحلام الشعوب بالتحرر من الطغاة وكفلائهم في الخارج؟ ألا يؤدي إلى إنهاك المنطقة وشعوبها واستنزافها؟ هل تعلم تلك الجماعات أنها مجرد مسمار؟ هل التاريخ يعيد نفسه بطريقة فاقعة، ونحن نصفق كالبلهاء؟

Tags: , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • النظام السوري والطوائف

    بقلم :ميشيل كيلو لا تبقى أي شرعية لأي حكومة تقسم شعبها إلى زمر وعصب موالية ومعارضة لها. ولا يكون أي نظام وطنيا أو شعبيا إن هو قرب الموالين وعادى المعارضين، […]

  • حاكمية البجم

     لا أعرف مصدر كلمة “البجم”  الا اني اعرف مايقصد بها , ومن خلال ذلك استطيع القول  على أنه  بين العرب  الكثير الكثير من البجم , الذين لايفهمون ولا يستوعبون  شيئا […]

  • الترقيعة بعلوي على رأس السلطة في المرحلة الانتقالية

    بقلم :الياس متري مصير سوريا ليس بيد السوريين  , حقيقة مؤلمة والأكثر ايلاما   هو كون الشعب السوري مسؤول أولا وأخيرا عن وضع البلاد تحت الوصاية  ,ولا جدوى في هذه […]

  • الأسئلة السورية الملحّة والصعبة

     ماجد كيالي: قبل طرح هذه الأسئلة قد يجدر التنويه، ومنعًا للّبس، إلى استدراكين أساسيين: أولهما، أن الثورات لا تأتي وفق وصفات نظرية جاهزة ومسبقة، وإنما تأتي على شكل انفجارات، “لا […]

  • استراتيجية السلاح الاستراتيجي

    بقلم:تيسير عمار  الزبانية مغتاظة جدا , والسبب هو  موضوع السلاح الاستراتيجي ,كلمة ضخمة  جدا , حيث يشعر الانسان عند  سماع هذه الكلمة  بشكل من العملقة  …هناك سلاح “استراتيجي “سوري” وكأننا […]