التدخل العربي في شؤون التدخل الدولي

September 21, 2014
By

بقلم:عزمي بشارة

بلغت أحوال العرب مرحلة الانتقال من الثورات العربية الأصيلة إلى الاصطفافات الدولية المتجددة من الخارج، بصيغة الحرب على الإرهاب في منطقتنا. وقع هذا بفعل عجز الأنظمة عن التفاهم مع شعوبها، لتحقيق إصلاح تدريجي واثق نحو أنظمةٍ أكثر عدلاً وتعددية، وانتقال الشعوب إلى الثورة، ثم عجز القوى الشعبية، ذاتها ونخبها، عن التوصل إلى إجماعٍ على قواعد النظام الذي يحل محل الاستبداد، بفعل هشاشة المؤسسات، وغياب السقف الوطني الذي صادر الاستبداد وظيفته، وادعاها لنفسه، وبفعل الانقسامات التي تحولت إلى “نحن” و”هم” في حالة عداء، ولاسيما مع الانقسام بين علمانيين وإسلاميين. هذا عدا النرجسيات السياسية الصغيرة، على أنواعها داخل كل معسكر، ثم انفراط عقد الهيئة السياسية، وخروج أسوأ ما فينا. لقد خيرت الأنظمة الشعوب، من دون أن يندى لها جبين، بين الإرهاب والاستبداد، أو بين الإرهاب والإقصاء الطائفي، وأخيراً، بين الموت قصفاً وحرقاً أو الموت غرقاً.

وأفرز التحقير والإذلال وانغلاق الأفق، وحروب الإبادة التي تخوضها أنظمةٌ ضد شعوبها أنماطاً من الانتقام والتحدّي، تستدعي ما في قاع النفس البشرية من قسوة. فحروب الإبادة التي تشنها الأنظمة تدار بدون قواعد، وتثير في البعض حنيناً انتقائياً لقواعد سلوكيات الاستعمار.

ورأت الشعوب نتائج الفوضى بأم العين. فالثورة ليست تمرداً فقط، بل هي مسألة نظام الحكم. والديمقراطية نظام حكمٍ، تسبق فيه كلمة “نظام” مفردة “حكم” باستحقاق. إنه بديل الاستبداد الوحيد. لا الإرهاب بديله، ولا الفوضى، ولابد من الاتفاق على قواعد هذا النظام. والاتفاق يتضمن تسويات، ولا مفر من ذلك.

ورغم هذا كله، لم يستقر الحال، على الإطلاق، لأي نظام استبدادي. فأبواب المرحلة ونوافذها ما زالت مشرعة على التغيير، ولا تستطيع الأنظمة أن تحسم أي معركة ضد شعوبها، من دون تحالفاتٍ إقليمية ودولية تسندها.

ومن غرائب المرحلة أن التدخل الدولي، أو الإقليمي، صار يبدو محلياً، وأن الأنظمة العربية تتصرف كمن يتدخل في شؤونه، ويتطفل عليه بالاقتراحات والتظلمات والتمنيات.

 ومؤخراً، سجلت محاولة الأنظمة العربية استغلال الاصطفاف الدولي المتجدد في المنطقة العربية، ليمرر كل منها أجنداته أرقاماً قياسيةً عالميةً في التفاهة والعجز والنفاق وانعدام الضمير وسوء الأداء. فكل نظام يضغط على الائتلاف الدولي، عسى أن يحارب من أجله أعداءه الداخليين. ويزعل من أن لا تلقى أجنداته قبولاً، ويهدد بالتخريب. ويتفلسف من يتفلسف في توسيع تعريف الإرهاب، لكي يشمل خصومه. 

في الائتلاف من يجادل كي يوسع تعريف الإرهاب، ليبرر جرائمه ضد شعبه، وليبرر، بأثر تراجعي، قصف بلدان أخرى؛ وخارجه ثمة من يتواطأ سراً، ويدين الائتلاف، ويتوسل الانضمام إليه في الوقت ذاته. إنها جدلية “الجواني” و”البرّاني” في الحرب على الإرهاب.

 المهم أن الاصطفاف الدولي في بلاد هذه الأنظمة يبدو وكأنه الأمر الطبيعي، وكأن الأنظمة هي من يتطفل على التدخل الأجنبي. وباختصار، لم تعد هذه بلادها، ولا تلك شعوبها. 

لا يجوز القول إن العبث، هنا، يبلغ قمته، أو ينحط إلى حضيضه، فهو، بحكم تعريفه، بلا قمة ولا حضيض. تبرز الأنظمة العربية، هنا، مثل شرذمة من القراصنة وقطاع الطرق التي تتطفل على قوافل الاستعمار في بلادها، تعرض خدماتها في بلادها، وتتاجر وتقايض على شعوبها.

Tags: , , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • حوار مع فواز طرابلسي حول الثورة السورية

     أجرى الحوار :محمد العطار  اتخذ فواز طرابلسي المفكر والكاتب اللبناني والمناضل اليساري العتيد، مواقف واضحة في دعم الثورات العربية، فواكبها مُتابعاً وكاتباً ومُحللاً، توج هذا في كتابه “الديمقراطية ثورة” (2012). […]

  • وان لله في خلقه شؤون ..السلطوي ..والشجون

    الحديث الى البعض  وعن البعض في الوطن السوري ضروري , وذلك على الرغم من  ثماره اليابسة   وفقر  جدواه , فسنين السلطة الأربعين   تميزت  بنجاحها في قتل العقل  المحاور ,وتدجينها […]

  • بين المديح والبكاء ,بيان تنسيقيات الشيوعيين بمناسبة الجلاء

    البيانات بمناسبة يوم الجلاء  متشابهة , والتعرف على بيان واحد يكفي   , وهاهو بيان التنسيقيات الشيوعية  , كنموزج لبيان  معارض للسلطة , هناك نموزج آخر , هو نموزج البيانات الموالية […]

  • بسام القاضي وانفلات الهمجية

    بقلم :تيسير عمار بعد  “الفلق” في  الخابرات الجوية قبل  حوالي السنتين  , خرج بسام القاضي من الأقبية مؤيدا  ومحاربا من أجل الأسد ,  نظريا لايمكن التعرف بشكل دقيق وصحيح عما […]

  • انظمة الدم تنتج ثقافة الدم, “الأسدية ” نموزجا

    علاّمة حلب ومثقفها النهضوي البارز عبد الرحمن الكواكبي صاغ قبل اكثر من قرن مقولة تُسطر بماء الذهب: الاستبداد اصل كل فساد. في العقود والقرن الضائع الطويل الذي جاء بعد تلك […]