مسيحيو سوريا والخطأ العلوي

August 17, 2014
By

 بقلم:نيسرين عبود

لن تتوقف هجرة المسيحيين    وهروبهم الى الخارج لحظة منذ أكثر من نصف قرن  , والضجيج الأخير بخصوص مسيحيي الشرق  عموما ومسيحي سوريا خاصة لايتناسب مع  معدلات النزوح ,  فحتى  عام ٢٠١١  تناقص عدد المسيحيين  الحقيقي الى النصف  دون أن تعرف  الفئات الأخرى  معدلات  هروب ونزوح مشابه  , بعد  عام ٢٠١١  وحتى هذه اللحظة لم يكن هناك نزوح مسيحيي  حصرا  , انما أصاب النزوح  واللجوء  كامل فئات الشعب   وخاصة السنة  مع وجود فارق  نوعي بين لجوء السني  الى الزعتري مثلا  وبين لجوء المسيحي الى أوروبا ,  فعدد المسيحيين في الزعتري  يعادل تقريبا الصفر, ولهذا التباين أسباب تاريخية  معروفة   لالزوم    لتحليلها ومناقشتها .

الهروب من الوطن مهما كان السبب  ومهما كان الهارب ومن كان,  يدل على وجود “خلل”  عملاق  في العلاقة  بين الوطن والمواطن , ومن الأدق القول بين المواطن  والسلطة التي تمثل الوطن ,  وفي الحال المسيحي  من الممكن القول  على أن الخلل له علاقة أساسية بالانسان المسيحي  وبالسلطة معا  ولربما بالتساوي,   لقد  أخطأت السلطة   وأخطأ الانسان المسيحي  أيضا  , وخطأ السلطة يعود  الى بدائيتها  واجرامها , يعود بشكل رئيس وأساسي  الى كونها  غير مؤهلة  لقيادة البلاد  , حيث عليها تحويل  الأمة الى مجتمع  , السلطة قامت بالعكس تماما   اذ  عمقت   شرذمة  الأمة   وحولت هذه الأمة الى شكل أكثر بدائية  , حولت الأمة الى عشائر  وطوائف وعائلات     تحت سقف ديكتاتوري  فاسد   ولمدة  الى اللانهاية .

السلطة حرمت الشعب  بالحديد والنار  من فوائد  وحظوظ  التغيير ,  فلا بأس  من وجود سلطة  فاشلة  لعدة سنوات  , التغيير  يأتي بسلطة أخرى قد تكون أنجح منها ,  الا أن الأسد يريد  بالقوة  البقاء  سيان ان كان ناجحا أم فاشلا , المهمم نجاحه  في البقاء  الذي أصبح هدفا  وليس وسيلة , فالبقاء بالنسبة  له  هو الألف والياء ,  وعن طريق البقاء  يمكن له  استمرارية تجنيد  الزبانية  وتأمين  ريعية خدماتهم له  , وبذلك انقسم الشعب الى سارق ومسروق  , الى ظالم ومظلوم , ومن يعترض له  السجن والموت تحت التعذيب .

بالنسبة للمسيحيين  يجب التفريق بين الانسان المسيحي  وبين رجال الدين المسيحيين  ,  الانسان المسيحي هرب  من ظروف حياة  يجب أن تقود الى هروب الجميع , , الا أنه  ليس بامكان الجميع الهروب  , حيث يتطلب الأمر  دولة مضيفة وأمر  المسيحي في هذا المجال كان  أسهل من أمر غيره  , لذلك يمكن القول على  أن السمة  الرئيسة لهجرة المسيحي هي الاستمرارية والانمان  , بينما كانت هجرة  الفئات الأخرى متقطعة  وحادة في بعض الظروف  كما حدث في السنين الأخيرة .

يقال على أن  الأسد لم يستهدف المسيحيين بشكل خاص , وصدام لم يستهدف المسيحيين بشكل مباشر ,  الا أن هذه المقولة مسطحة جدا , نعم استهدف صدام المسيحيين  واستهدف الأسد المسيحيين   بشكل  فاقع  واجرامي  , فالمسيحي في سوريا  أصبح  مواطن من الدرجة الثانية ,  والأسد يرحب بهذا المواطن الذي  يكتفي بالفتات   ثم يتملق  ويلحس الأظياظ  ولا  يشاغب  ولا يتمرد  ,   وتوظيف هذا المواطن  يتم  اذا لم يتوفر للوظيفة  علوي  مثلا  من الصعب أن يصبح المسيحي رئيس قسم في الجامعة  , فالرئاسة  وملحقاتها مثل البراطيل  والكسب الغير مشروع هم  من  نصاب العلوي  ,  يأتيك  بسام أبو عبد الله  وقد تبضع” من كازاخستان  شهادة الدكتوراه  ويتم تعيينه رئيس قسم العلاقات الخارجية  في الجامعة السورية  , يعلن نفسه معاد محمد على أنه حامل للماجستير في العلوم السياسية  ,  ومؤخرا نعرف على أنه  لايحمل الشهادة الاعدادية , والرئيس أنعم عليه باللقب  , والأمثلة أكثر من  أن تحصى .

لو لم تستهدف الأسدية المسيحيين   , لم تكن هناك حاجة للهروب , والهروب حقيقة وواقع  تبرهنه الأرقام  , ثم ان الأسدية استهدفت المسيحيين بشكل  لانظير له , ترسيم  كاهن مسيحي يتطلب موافقة الأمن  , ترسيم مطران  أو حتى البطرك  يحتاج الى موافقة أمنية  وتعهد خطي   بامداد المخابرات   بمعلومات عن أفراد الرعية  , ثم اجبار رجال الدين على القاء الخطب  المسبوقة  الكتابة  والتصريحات  المؤيدة , لقد نجح الأسد في   تأليب رجال الدين المسيحي  حتى على عيس أبن مريم , هاهو  المطران لوقا الخوري يرتدي البدلة العسكرية  ويطلب من الشباب المسيحي حمل السلاح , وذلك  بشكل  لايستقيم اطلاقا مع  الروح والفكر المسيحي ,  ليس لي تعداد كل  زندقات رجال الدين المسيحي  , وما أكثر  الزنادقة في هذاالسلك   الغير محترم .

أما في العراق  فقد أرغم صدام  السيد يوحنا ميخائيل  على تغيير اسمه الذي أصبح طارق عزيز ,  فالتسامح  الصدامي الاسلامي لايحتمل حتى الاسم المسيحي ,  وميشيل  عفلق   لم يقتدر على الموت  مسيحيا , لقد أجبره صدام   على اعتناق  الاسلام قبل وفاته ..هل كل هذا ليس استهداف  ؟ والأفدح من ذلك هو توريط المسيحيين  في حروب  لايمكن لهم  على المدى القريب أو البعيد ألا خسارتها,  فليس  للمسيحي أي  مصلحة  في محاربة السنة أو غيرهم , وليس للمسيحي أي مصلحة في  الاقتتال  .

لقد قاد حشر المسيحيين  في معارك صدام مع  الفئات الأخرى  الى  عداء مع هذه الفئات مما قاد الى تفريغ العراق من المسيحيين بعد زوال صدام  ,   وحشر المسيحيين في حروب  الأسد  سوف يقود الى النتيجة نفسها  ,  فلا صدام ولا الأسد احترموا  الكيان المسيحي , بل أن سياساتهم  قادة  الى التفريغ شبه الكامل للمسيحيين خاصة في العراق لحد الآن , تطور يسير باتجاه الهروب هو البرهان الأكيد على الاستهداف  , والقصور في فهم آليات الاستهداف  لاينفي وجوده

لايقتصر ارتكاب  الأخطاء على السلطة ,  فالمسيحي السوري بشكل عام  ارتكب أخطاء فادحة , منها على الأقل  عدم  التبرؤ من رجال الدين , منها أيضا  السماح للأسد  بعسكرة الطائفة المسيحية  , ومنها عدم معارضة المسيحيين الصريحة  لمقولة  طاعة السلطان  التي يعرفها الاسلام  ..تسعة أعشار الايمان  في طاعة السلطان , حتى ولوصلى سكران  , حتى لو قتل الغلمان  , حتى  لو أجرم وخان  , حتى لو باع الأوطان !!!, لقد كان بامكان  المسيحي  أن يعرف قبل غيره  عبثية وعدمية  الديكتاتوريات , وفي الأحاديث  الخاصة بين أر بعة جدران  لم  أتعرف على  مسيحي  الا  ولم يعارض الأسد , الا أن الوقوف الى جانب الأسد  كانت له اسبابه  ,   انهم لايريدون داعش , لذلك وقع خيارهم على الأسد  , وفي هذه الحالة ارتكبوا  الخطأ الأكبر   , ألا وهو  اعتقادهم بأن داعش يمكن أن تستولي على السلطة , قلنا  مرارا ان ذلك مستحيل ,  وأحداث العراق أثبتت استحالة ذلك   , فعندما هددت داعش بغداد تدخل الغرب  , والغرب سيتدخل  عندما تهدد داعش دمشق   وعندما  يصبح استيلاء داعش على السلطة أمرا ممكننا  , الغرب لايريد الأسد ولايريد داعش , الا أنه  لايريد آنيا   أن ينتصر طرف على الآخر , الحرب تقود الى تآكل كل منهم  , وبالنهاية  يأتي الطرف الثالث , والتاريخ يعرف العديد من  الأمثلة المشابهة .

أما عن الخطأ العلوي  الذي ارتكبه  مسيحيو سوريا  فيمكن القول مايلي , لقد أخطأت الطائفة العلوية برهانها الأناني على الأسد , ولم يبدوا من هذه الطائفة أي تحرك باتجاه  انتقاد الأسد  , الا بعد أن تكاثرت التوابيت , لقد  تجاهلت الطائفة أمرا انسانيا مهما ,ألا وهو توابيت الآخرين , وقد كان من الانساني  أن تتخلى الطائفة عن الأسد عندما تكاثرت توابيت  السنة  أيضا  , الا ان الطائفة لم تفعل شيئا  أساسيا بهذا الخصوص , ومعظم مسيحيي سوريا  تملقوا  للظالم  لطالما  اعتقدوا على أن الظالم يحميهم  ,هربوا عندما ضاقت بهم الحال  , ولم  تزعجهم  توابيت السنة  بشكل مبدئي  , لقد راهنوا  على  الجهة البائدة لامحالة  , فادراكهم  للقيم الانسانية وحب الغير لم يكن مسيحيا اطلاقا  , الا أنه توخيا  للدقة يجب القول على  أن من مارس ذلك بشكل أساسي  كانوا رجال الدين المسيحي  وليس  أفراد الطائفة المسيحية  بشكل عام  , لقد وقعوا في  أتون العداء التاريخي مع  أكثرية مذهبية  ,  وعلى من  يدعم الأسد  أن يتحمل نتائج دعمه  له , والنتائج  أكثر من واضحة , انظروا الى العراق

Tags: , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • بين “البعث” و”الائتلاف”.. خلاف لا اختلاف!

    12 /12 /2012، تاريخ سيذكره السوريون بشتى أطيافهم السياسية، لإضافته بعداً جديداً في صراع القوى العالمية وتحالفاتها على خلاص سورية، كما صراع المعارضات المختلفة بمرجعياتها حتى بعد رحيل السلطة، فبعد […]

  • آلة قتل بيد قاتل

    بقلم :عبدو قطريب ليس من الضروري  أن يكون وجود الكيماوي في مكان ما موازيا لحدوث كارثة في هذا المكان ,حدوث الكارثة يتطلب تضافر عوامل عدة  ومعطيات معينة , آلة الدمار […]

  • البرنامج المرحلي للثورة السورية

    1- في سياق الربيع العربي الذي اودى بحياة العديد من النظم العربية الاستبدادية، فجر الشعب السوري اكبر ثورة للحرية والكرامة وحقوق المواطنة في تاريخه الحديث، بدأت من دمشق وانتقلت إلى […]

  • قصص أسدية من ألأقبية الشرعية

    الخجل هو آلية لضبط تصرف الانسان , ومنع الانسان من  اقتراف الرزائل  , الا أن هناك  من لايخجل أو لايستطيع أن يخجل  , وصاحبنا  القلمجي المنحبكجي  من هذا النوع  الساقط […]

  • على مايبدو , فان الثورة السورية عملاقة !

    من المؤسف فقدان الكثير من “العلمية” في النظرة الى احداث العالم العربي الأخيرة  , والتي سميت الربيع العربي , معظم من اراد تعريف الحدث , انطلق من موقفه السياسي  ,الذي  […]