الجنرال الإيراني قاسم سليماني وسياسة طهران التوسعية

July 31, 2014
By

بقلم:مارتينا صبرا

يرى الكثيرون من السوريين والعراقيين أنَّ زمام الأمور لم يعد في يد بشار الأسد في دمشق ونوري المالكي في بغداد أو حتى كذلك في يد دوائر الحكم لدى كلّ منهما، بل إنَّ مَنْ يُصدِر الأوامر هو جنرال إيراني: أي الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني.

يُعتبر قاسم سليماني شكليًا بالنسبة للولايات المتَّحدة الأمريكية شخصًا إرهابيًا، من الأفضل عدم الدخول معه في صراع بصورة مباشرة: جون ماغواير، الموظف القيادي في وكالة الاستخبارات الأمريكية، وصف قاسم سليماني على أنَّه “أقوى عميل حاليًا في منطقة الشرق الأوسط برمّتها”. إذ من المفترض أنَّ قاسم سليماني قد كتب بنفسه في عام 2008 في برقية إلى القائد الأعلى للقوّات الأمريكية في العراق حينها، مفادها: “عزيزي السيد بترايوس، يتعيّن عليك أن تعرف أنَّني أتحكم بسياسة إيران الخارجية فيما يتعلق بكلّ من غزة ولبنان والعراق وأفغانستان”.

يعتبر  قاسم سليماني رسميًا منذ عام 1998 القائد العام لما يطلق عليه اسم فيلق “القدس” – الذي يعدّ فرقة من الحرس الثوري الإيراني تتولى تنفيذ العمليات الخاصة في خارج إيران. وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية الإيرانية، فإنَّ قاسم سليماني يتبع مباشرة للقائد الأعلى للحرس الثوري، آية الله علي خامنئي. ويُقال إنَّ خامنئي قد وصف قاسم سليماني بأنَّه “شهيد الثورة الإيرانية الحي”.

فمن هو يا ترى هذا الرجل الذي يشيد به الإيرانيون الموالون للنظام باعتباره بطل حرب، في حين أنَّ العالم الغربي لم يكد حتى وقت قريب يعرف أي شيء عن وجوده؟ هناك مقالتان تميطان اللثام عن شخصيته، تم نشرهما مؤخرًا في الولايات المتَّحدة الأمريكية، واحدة للخبير في الشؤون الإيرانية علي الفونه والأخرى للصحفي الخبير في شؤون الشرق الأوسط دكستر فيلكنز.

“القائد الخفي”

وطبقًا لمعلومات علي الفونه فقد ولد قاسم سليماني في عام 1957 في بلدة رابورد الواقعة في محافظة كرمان ذات الكثافة السكَّانية المنخفضة في جنوب شرق إيران.

بعد إتمامه الدراسة الابتدائية ذهب قاسم سليماني إلى مدينة كرمان من أجل كسب المال هناك كعامل بناء. وبعد عام 1975 وجد قاسم سليماني، الذي بلغ حينها سنّ الثامنة عشرة، عملاً له في إدارة المياه المحلية في مدينة كرمان. من غير المعروف إنْ كان قاسم سليماني قد شارك في الاحتجاجات ضدّ نظام الشاه

يكتب علي الفونه أنَّ قاسم سليماني قد تعرَّف في هذه الفترة أثناء تردده على المسجد على الحُجَّة كامياب، وهو داعية متنقّل يعتبر من الوسط الديني الخاص برجل الدين علي خامنئي، الذي أصبح في وقت لاحق القائد الأعلى للحرس الثوري ويعدّ في واقع الأمر رئيس الدولة؛ وأنَّ سليماني تطوّع بعد فترة قصيرة جدًا من قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 في الحرس الثوري الذي كان قد تشكّل حديثًا كقوة خاصة كانت تريد حماية النظام.

وعلى الرغم من أنَّ قاسم سليماني لم يكن يتمتَّع بتدريبات عسكرية ولا بخبرة قتالية لكنه كان على ما يبدو موهوبًا للغاية وناجحًا، بحيث تمت ترقيته بعد وقت قصير من تلقيه تدريباته الأساسية الخاصة إلى رتبة مدرّب وبات يتم إرساله في مهام خاصة في داخل إيران. لقد مثَّل قمع تمرّد الأكراد في مدينة مهاباد (في شمال غرب ايران) في عامي 1979 و1980 خطوة مهمة في حياته الوظيفية. وبعد عودته تولى قاسم سليماني قيادة فيلق القدس المحلي في كرمان، والذي تأسَّس حديثًا في تلك الأيَّام والتابع للحرس الثوري.

تأثير الحرب العراقية الإيرانية

في الفترة الممتدة من عام 1980 وحتى عام 1988، أي طوال الحرب مع العراق، حارب قاسم سليماني على جميع جبهات القتال تقريبًا وشارك في جميع المعارك. ومن المفترض أنَّ الحرب قد أثَّرت عليه تأثيرًا عميقًا – ليس فقط بسبب الأعداد الكبيرة من الضحايا، بل كذلك لأنَّها انتهت بهدنة وليس بانتصار الإيرانيين. “لم يكن رجال الدين الإيرانيون يريدون المزيد من حمامات الدماء، بيد أنَّ الكثيرين من العسكريين من أبناء جيل قاسم سليماني كانوا يرون أنفسهم في القدس وقد شعروا بأنَّهم كانوا مخدوعين”، مثلما يكتب دكستر فيلكنز نقلاً عن علي الفونه.

وبعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية تم إرسال قاسم سليماني إلى شرق إيران من أجل مكافحة عصابات ترويج المخدّرات الأفغانية-الإيرانية. وعلى ما يبدو لقد حقَّق في ذلك نجاحًا هائلاً، بحيث تمت ترقيته في عام 1998 إلى قائد ما يُطلق عليه اسم فيلق القدس. وهذه الوحدة الخاصة والبالغ قوامها في يومنا هذا 15 ألف رجل والتابعة للحرس الثوري هي المسؤولة عن تنفيذ “العمليات الخاصة في الخارج”.

اتصالاته مع الولايات المتَّحدة الأمريكية

كان لدى قاسم سليماني هدف واضح يتمثَّل في ضرورة عدم السماح باستهداف إيران مرة أخرى بهجوم جديد، بل في تحولها إلى قوة مسيطرة في منطقة الشرق الأوسط. وفي تنفيذه هذا الهدف، لم يكن يتّبع خطة رئيسية، بل لقد كان يستغل بذكاء كلّ فرصة مواتية. وضمن هذا السياق كانت تأتي براغماتيته في صالحه.

لم يكن قاسم سليماني يدعم فقط حزب الله الشيعي في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق، بل كان يدعم أيضًا كلاً من حركة حماس الفلسطينية السُّنية في غزة ونظام الأسد العلماني في دمشق. إذ لم يكن العامل الحاسم بالنسبة له الدين أو الانتماء المذهبي، بل مصالح إيران.

وكذلك كان قاسم سليماني ذكيًا بما فيه الكفاية من أجل إجراء محادثات مع الولايات المتَّحدة الأمريكية، عندما كان يعتقد أنَّ ذلك مفيدًا – ومن ثم كان يقطع قنوات الاتصال مرة أخرى عندما لم تَعُد لديه حاجة لها. ومن المفترض أنَّ هناك العديد من الاتصالات التي جرت بين قاسم سليماني وممثِّلين عن الإدارة الأمريكية، مباشرة بعد الـ11 من أيلول/ سبتمبر 2001، خلال الحرب التي قادتها الولايات المتَّحدة الأمريكية ضدّ حركة طالبان في أفغانستان.

ولكن بعد الغزو الأمريكي للعراق وإسقاط صدام حسين، بات من الواضح أنَّ إيران أصبحت تنظر إلى العراق الذي يتّسم بأكثرية سكَّانه الشيعية على أنَّه ساحة استراتيجية ولم تعد حينها تحتاج الولايات المتَّحدة الأمريكية كوسيط، حيث ارتكبت الميليشيات الشيعية المموَّلة من إيران وفيلق القدس الإيراني العديد من الهجمات الدموية (الانتقامية) ضدّ الجيش الأمريكي وضدّ العراقيين السُّنة في العراق. وبحسب الصحفي دكستر فيلكنز من المفترض أنَّ قاسم سليماني قد ساهم مساهمة مباشرة في تعيين نوري المالكي رئيسًا للوزراء.

دعم نظام الأسد حتى النهاية

ومن أجل الحفاظ على استقرار “محور المقاومة” – أي العراق وسوريا ولبنان، فقد اعتمد النظام الإيراني على نظام الأسد في دمشق، الذي يعدّ منذ السبعينيات الحليف الأقرب لإيران في المنطقة. صحيح أنَّ جمهورية إيران الإسلامية وسوريا العربية الاشتراكية مختلفتان كثيرًا، لكن يوجد لديهما عدو مشترك: أي إسرائيل وحاميتها الولايات المتَّحدة الأمريكية. لقد ضمن حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار الأسد لإيران تمكُّنها من إمداد حزب الله في لبنان بالأسلحة والخدمات اللوجستية من دون أية مشكلات.

وعندما بدأت في ربيع عام 2011 الانتفاضة السورية ضدّ نظام الأسد وبدأت مظاهر التفكك تظهر بعد فترة قصيرة على الجيش السوري، بدا أنَّ جزءًا رئيسيًا من “محور المقاومة” أصبح في خطر. وعلى المستوى الرسمي طالبت إيران القوى الخارجية بعدم التدخُّل في سوريا. لكن ذلك لم يكن ينطبق عليها هي بالذات.

وهكذا أمر قاسم سليماني بنقل عشرات الآلاف من أفراد الميليشيات الشيعية من إيران والعراق ولبنان ومن بلدان أخرى عبر الجو إلى سوريا، وكانت مهمتهم دعم دكتاتورية بشار الأسد الوحشية ومحاربة الثورة. وبحسب معلومات المراقبين السوريين فإنَّ العديد من طائرات النقل المحملة بالأسلحة والذخائر وغيرها من البضائع الأساسية القادمة من إيران لا تزال تهبط كلّ يوم في سوريا.

وبناءً على ذلك يدفع الشعب السوري ثمنًا باهظًا جدًا لطموحات إيران التوسعية. يعتقد الخبراء أنَّ نظام الأسد كان سينهار منذ زمن طويل لو لم يكن يحصل على هذا الدعم الضخم من طهران. لقد كان من الممكن أن تحول نهاية نظام الأسد في مرحلة مبكِّرة دون هذه الفوضى ودون تقدّم الجهاديين في شمال شرق سوريا وشمال غرب العراق.

لكن يبدو أنَّ المعنيين في إيران يراهنون على إبقاء المنافسين أو المهاجمين المحتملين في حالة ضعف. فعندما تكون الدول المجاورة غير مستقرة، يمكن حينها السيطرة عليها والتحكم بها بصورة أفضل. وبالإضافة إلى ذلك فقد ارتقت إيران الآن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية إلى شريك محتمل في الحرب ضدّ الجهاديين وضدّ “دولتهم الإسلامية” – على الرغم من العقوبات والصراع حول البرنامج النووي الإيراني. ومن جانبة أوضح قاسم سليماني أنَّ إيران سوف تدعم نظام الأسد في دمشق حتى النهاية.

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured