سوريا المحتلة

June 1, 2014
By

بقلم : أحمد الشامي

  في فترة السبعينات كانت اﻷحزاب اليسارية المعارضة لنظام اﻷسد اﻷب تصفه بالنظام “الكومبرادوري” وهي كلمة مشتقة من أصل برتغالي وتعني “الشاري”. استعملت هذه الكلمة في البداية لوصف التجار الصينيين الذين بنوا ثرواتهم على كونهم وكلاء للأوربيين في البر الصيني.هذه الكلمة تصف البرجوازية المحلية المرتبطة اقتصادياً و عضوياً بالخارج، على عكس البرجوازية المحلية الوطنية المتجذرة في مجتمعها.

بهذا المعنى يكون أغلب اﻷنظمة العربية ٳن لم يكن كلها، سواء كانت عرضة للاحتجاجات أو كانت بمنأى عنها حالياً، هي أنظمة كومبرادورية لكون سياساتها خاضعة للنفوذ الخارجي بشكل طاغٍ. كل اﻷنظمة في العالم تتأثر بنفوذ الخارج و تتفاعل معه، السلطة الوطنية تأخذ باعتبارها مصالحها ومصالح الآخرين خاصة المشروعة منها، و تبني سياساتها على أساس الموازنة بين مصالحها الوطنية ذات اﻷولوية و من ثم تحقيق مصالح الآخرين بما لا يضرها ولا يضر بشعوبها أو بفرصها في ٳعادة انتخابها. هكذا تكون السياسة الخارجية الوطنية المتوازنة هي سياسة توافقية لمصلحة الغالبية، على عكس السياسة الكومبرادورية القائمة بنيوياً على تحقيق مصالح الخارج الداعم للنظام سواء كانت هذه المصالح اقتصادية أو سياسية وأحياناً سيادية، و تحقيق مصالح الطغمة الحاكمة في البقاء في السلطة وفي استمرار نهبها لمقدرات بلادها، كل ذلك على حساب مصالح شعبها.

السياسة الخارجية الوطنية تهدف ٳلى أن يخرج الجميع رابحين دون التفريط بالحقوق اﻷساسية للشعب و دون الاصطدام العبثي مع الخارج، من هنا ندرة الصراعات بين الدول الديمقراطية و سرعة حلها سلمياً بما يحقق مصالح أغلب الأطراف بدرجة أو بأخرى. على العكس من ذلك، في السياسة الكومبرادورية يخرج اﻷجنبي دوماً رابحاً في النهاية، كذلك يكسب الحاكم المحلي بقاءه في السلطة و عمولات مجزية يستثمرها في بنوك أسياده الغربيين لمصلحته و لمصلحة اقتصاد الغرب. المشكلة هي أن الشعب لا يجد في هذه المهزلة من يدافع عن مصالحه و يخرج في أغلب اﻷحيان خاسراً. اتفاقية “أضنة” مثال حي على السياسة الكومبرادورية لحافظ اﻷسد التي سماها زوراً و بهتاناً بالبراغماتية.

حافظ اﻷسد كان يعرف أن الثمن الذي ستدفعه تركيا ﻹسقاطه عسكرياً لن يكون مرتفعاً ﻷن شعبه سيستقبل الدبابات التركية استقبال المحررين، لذلك أعطى عسكر تركيا، الذين يفعلون ما يقولون، كل ما طالبوا به و أكثر، بما فيه لواء اسكندرون السليب، مقابل الاحتفاظ بالسلطة و أتبع تنازلاته عن اﻷرض باتفاقيات اقتصادية جائرة منحت اﻷتراك حصة في “وليمة النهب” القائمة في سوريا منذ أربعة عقود.

كان كافياً أن يرمي اردوغان اﻷسدَ الوريث بوردة لكي يقلب له هذا اﻷخير ظهر المجن و يذيقه اﻷمرين ، بعد الاستعانة بحماته اﻹقليميين، من ٳسرائيليين وٳيرانيين “الذين يحترمون تعهداتهم لنظام الممانعة في دمشق “، بدءاً من اغتيال الشهيد “مشعل تمو” رجل المصالحة الكردي و انتهاء بٳعطاء معلومات خاطئة لسلاح الجو التركي، عبر أجهزة مخابرات صديقة ، مما أسفر عن مجزرة بحق أكراد مساكين يكسبون عيشهم بتهريب الدخان عبر مسالك جبلية و تحت الثلج. هذه المجزرة جعلت الجيش التركي يبدو في عيون اﻷكراد كجيش احتلال قاتل ، مثله مثل شبّيحة اﻷسد و مثل جيش الدفاع اﻹسرائيلي وغارات طائراته على غزة و “ما حدا أحسن من حدا “. اﻷنظمة الكومبرادورية الحديثة ولدت من رحم اتفاقية “يالطا” التي وزعت غنائم الحرب العالمية الثانية بين الشرق السوفيتي و الغرب الأمريكي وأخذت بعين اﻹعتبار بعض مصالح المستعمرين السابقين من القارة العجوز. هكذا طُرِدت فرنسا و انجلترا من مستعمراتهما السابقة و أتت مكانهما أنظمة عسكرية أو مدنية متعاملة و متواطئة مع المستعمرين السابقين و الجدد، بحيث يخرج كل هؤلاء رابحين على حساب الشعوب المغلوبة على أمرها.

استمر الوضع كذلك طيلة فترة الحرب الباردة في “لعبة أمم” معقدة سمحت للعديد من اﻷفّاقين باستغلال صراع الكبار لمصلحتهم و مصلحة طبقات سياسية متواطئة معهم، مثل نورييغا في بنما و ماركوس في الفيليبن و غيرهم كثر. نهاية الحرب الباردة كانت ٳيذاناً بانتهاء صلاحية أغلب هذه اﻷنظمة، التي انهار معظمها شرقاً وغرباً مفسحاً المجال لنظم مفتوحة و تعددية تشارك في لعبة أمم جديدة، أكثر قابلية للحياة و أنفع للبشرية، قائمة على المنافسة اﻹقتصادية و الثقافية وفق وسائل وقواعد لعبة متحضرة تحترم حقوق اﻹنسان اﻷساسية.

هكذا شهدنا انهيار دكتاتوريات أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية، مثلها مثل أنظمة جنوب شرق آسيا التي أفسحت المجال لنشوء نمور اقتصادية تحرّك الاقتصاد والمنافسة الصحية. اﻷنظمة التي عجزت عن مجاراة العصر ٳما أنها زالت أو أنها تحولت ٳلى أشكال أخرى من الحكم اللاعقلاني ككوريا الشمالية و كوبا أو الفوضى، فبعض تلك اﻷنظمة رحل و زالت معه الدولة التي كان يحكمها، مثل الصومال و هاييتي أو أفغانستان بعد سقوط الحكم العميل الذي خلفه السوفيت وراءهم. في منطقتنا العربية، تم خلع صدام حسين و تخليص العراق و المحيط منه و من شروره بغزو أمريكي ثم جاء الربيع العربي ليعيد العرب ٳلى التاريخ فكان “بن علي” أول من “فهم” و رحل بسلام، تبعه “مبارك” الذي ركب رأسه في البداية، لكن ارتباط الجيش المصري بعلاقات وثيقة مع اﻷمريكيين و اندماج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي سمحا بالتخلص منه و من وريثه المقبل بثمن معقول.

ٳعادة دمج ليبيا في الاقتصاد العالمي و تخليصها من احتكار القذافي و عصابته لها و لثرواتها، احتاج لتدخل عسكري خفيف الكلفة و ذو جدوى اقتصادية مرتفعة، فقد سارع اﻷقوياء للتدخل و “لحجز دورهم” في صفقات ليبيا المقبلة بعد ٳنقاذ ثوارها من كتائب القذافي الهمجية. اﻷمريكيون سموا غزوهم للعراق “حرب تحرير العراق”. فعلا استقبل أغلب العراقيين في البداية قوات المارينز استقبال المحررين، كذلك سارع الليبيون ٳلى ٳنقاذ طياري القاذفة اﻷمريكية التي تحطمت وهي تقصف جيش بلادهم ! في حين نكلوا بجثث طياري السوخوي الليبية التي أسقطوها هم أنفسهم ! هذا يعني أن الليبيين الثائرين تعاملوا مع كتائب القذافي كجيش احتلال و مع قوات الناتو كجيش تحرير وطني احتفلوا بانتصارات طائراته على جيشهم “الوطني” و تدميرها لدبابات دفع الليبيون ثمنها ! المنصف المرزوقي، أول رئيس لتونس بعد استقلالها الثاني، كان قد وصف تطور اﻷنظمة الكومبرادورية السرطاني و تحولها ٳلى “أنظمة احتلال داخلي” حقيقية، لها ممارسات مطابقة لما كان يحصل في الفترة الاستعمارية. الفرق الوحيد هو أن المحتل هذه المرة هو حاكم البلد وعصابته وعائلته و أحياناً قبيلته. هؤلاء يسخّرون الحكم ليس فقط لمصالح مشتركة بينهم و بين الخارج على حساب الوطن كما كان الحال مع اﻷنظمة الكومبرادورية، بل أولاً وقبل كل شيء لمصلحتهم هم و مصالح جماعتهم، بشكل حصري وسرطاني، على حساب شعوبهم في ممارسات لصوصية مفضوحة. هل الوضع السوري هو وضع احتلال داخلي؟ هل هو احتلال تقوم به عائلة تستند ٳلى تحالف أقليات طائفية واقتصادية، تتلحف بخطاب شعبوي ممانع و تقدمي لفظياً، في حين تمارس أبشع أشكال الرجعية و اﻹقطاع و الخضوع للقوى الخارجية بهدف اجتناب شرها، كل ذلك كي يستمر “المحتل الداخلي” في غيه و يديم نهبه لمقدرات البلاد ؟ هل تكون أجهزة اﻷمن السورية هي ميليشيات على نمط “الجنجاويد”، الميليشيا السودانية التي تعيث فساداً و قتلاً في مسيحيي وقبائل دارفور، تحت سمع وبصر الفريق “الذابي” رئيس وفد الشهود العرب ؟ استطراداً ، هل يكون الجيش السوري الذي “يتنزه” أفراده بلباس الميدان الكامل، شاهرين أسلحتهم الفتاكة في وجه مواطنيهم و مديرين ظهورهم “للعدو” اﻹسرائيلي جيش احتلال طائفي بغيض لا أكثر ولا أقل ؟ هل تكون الفرقة الرابعة و الحرس الجمهوري “جيشَ الدفاع اﻷسدي” الذي يحتل سوريا و يذيق شعبها الذل والهوان، يقتل بلا حساب، يغتصب و يسرق كما يشاء و يعيث فساداً في “أرض العدو” في درعا، ٳدلب و حمص و غيرها ؟ هل تكون أجهزة مخابرات اﻷسد نسخة محلية لفرق “المستعربين” و الشبيحة هم المعادل اﻷسدي لقطعان المستوطنين ؟ هذا قد يفسر ممارسات هذا الجيش البربرية و التي شهدنا مثلها في ممارسات الجيش اﻷحمر في أفغانستان والجيش الفرنسي ومجازره في الجزائر و نراه كل يوم، بصورة أخف وأكثر ٳنسانية بما لا يقاس في فلسطين المحتلة. هل سوريا واقعة فعلاً تحت احتلال أسدي فئوي، همجي وقاتل ، لا رادع له من أخلاق ولا من ضمير ؟ هذا ما يظنّه المحتجون في شوارع سوريا “المحتلة” و ما يفعل زبانية اﻷسد يومياً كل ما يلزم ﻹثباته.

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • للمرة الأخيرة ..سيادة الرئيس ارحل !

    في قلبي الكثير أقوله لك  …ولكني أخافك …هكذا عودتنا ….أن نخاف الحق في حضرتك وفي غيابك …فللجدران آذان وعيون في بلدنا …لماذا لم تعودنا على محبتك وكان الأمر بيدك ؟ […]

  • نحن مجرد فراغ جغرافي: أرض تحتاج لشعب غير موجود..!

    بقلم:فواز غادري للمعري بيت من الشعر شغل الأدباء وأهل اللغة لزمنه حتى شرحه المعري . يقول : ست إن أعياك أمري فاحمليني زقفونه قالوا ومازقفونه يا أبا العلاء .. قال […]

  • مجازر برسم “الأسد أو نحرق البلد”

    بقلم :جورج بنا اني مفتتن جدا بشعار  الأسد أو نحرق البلد , ذلك  لأن هذا الشعار ضرب أرقاما قياسية في العديد من   المعايير , فلو أخذنا معيار الوقاحة , […]

  • خيانة القرآن, أم خيانة أنسنة الانسان !

    ممدوح بيطار: منذ الخمسينات لايسمح الدستور التونسي بتعدد الزوجات , في الفترة الأخيرة تعرض هذا الدستور الى محاولة الانقضاض والانقلاب عليه من قبل من قبل القوى الاسلامية , مماجعل من […]

  • من له قول الكلمة السورية ؟

    ميسون يوسف  من طاقم جريدة الوطن السورية  قالت  ان سوريا  قالت كلمتها  , وهذه الكلمة قيلت في مسيرات ساحة البحرات السبع وسعد الله الجابري وساحة الأمويين ثم ساحة الرئيس  في […]