الثورة التي عمرها نصف قرن

May 10, 2014
By

بقلم :مادلين بوزيوس

 بعد أكثر من ثلاثة سنوات على  المرحلة  الساخنة من الثورة السورية  , بدأ البعض  بالتبشير بوفاتها   وهي في عز صباها  ,كثر الحديث  عن امراضها  وتشرذمها وتناقضاتها ,وعن فسادها أيضا  ثم سرقتها  ..الخ   ,  وبهذه المناسبة أحب تقديم بعض الخواطر حول هذه الثورة  قاصدا بذلك  تصحيح بعض  النظرات التي اعتبرها مغلوطة  وقاصرة تاريخيا .

اولا أريد القول  على  أن الفترة بعد آذار ٢٠١١   ليست كل الثورة  وانما  يمثل ذلك الجزء الأكثر سخونة منها  ,  فالثورة بشكل عام  تولد مع ولادة  الظلم   , ولها حتى تحت الظلم   أطوار  صامتة كامنة  , والثورة  بشكل عام لاتمثل  ارادة  مستقلة عن الواقع  ولا هي  تمثيلية أو  نزوة  ولا مغامرة  , والمسؤول عن ولادة أي ثورة  هو  بشكل عام المسبب لها , هو القيصر الروسي أو الملك الفرنسي أو الجمهورية الفرنسية الرابعة (في الجزائر)  أو القذافي أو  مبارك  أو الأسدية ..الخ . والثورة السورية  ولدت في  الستينات  أى مرادفة لولادة  الاسدية  , وتجلت نشاطات هذه الثورة بأشكال عديدة ومختلفة  ,  والفعل السلطوي المعاكس اتسم في معظم الحالات بالبربرية المطلقة  أي بممارسة المجازر ,  فاعلان دمشق كان جزء من الثورة واعلان بيروت أيضا  ,  وهروب  الكاتب والمفكر السوري   الى الخارج  كان مظهرا من مظاهر الثورة   ومو ت عشرات الألوف تحت التعذيب في سجون الأسد كا بسبب مناهضة هؤلاء للسلطة الأسدية , أي بسبب الثورة  وذلك بغض النظر ان سمي ذلك آنذاك ثورة أم لم يسمى ,هجرة نصف مسيحيي سوريا   كان بسبب ” التوأم ظلم-ثورة”, هربوا  بسبب الظلم  والعنصرية  ومواطنية الدرجة الثانية , وحتى الهروب  والنزوح والهجرة  هي  مظاهر ثورية , لأنها مظاهر  احتجاج  ورفض  ..المسلكية  الرافضة قدتأخذ  شكل الهزيمة  والهروب , والاستاذ الجامعي السوري  الذي أتى من السوربون  ليعمل في سوريا  , هرب لأنه يرفض  تسييس العلم  ويرفض تفضيل البعثي  أو العلوي عليه , الجامعات مثلا لم تعد دور علم  وانما دور نصب واحتيال وفساد تمارسه   الزمرة  المفضلة , زمرة الدرجة الاولى  أي العلوي أو البعثي العلوي

مظاهر الرفض  والاحتجاج  والامتعاض  تجلت أحيانا  بأشكال  مقاومة سلبية  ..هروب  أو نزوح  أو هجرة , وهكذا تجمع في الخارج عدد ضخم من السوريين  , الذين يخونهم النظام   ويعتبرهم عملاء   ويحاكمهم  ويصار املاكهم  ويقبض عليهم  عند قدومهم الوطن    ويرفض  تمديد جواز سفرهم  ويضع عليهم المخبرين والجواسيس   ويعتقل اهلهم  ويسجن  أقربائهم  والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد , سبب النفور السلطوي  من السوريين في الخارج هو ثقافة هؤلاء السياسية , التي لاتمت بصلة الى الانحطاط السلطوي العائلي  العنصري المذهبي , فهؤلاء  لايستطيعون فهم أو تفهم مايجري في الوطن من كبائر الموبقات  , فالسوري الذي  عاش في فرنسا  ثلاثين عاما  لايستطيع  فهم نتائج استفتاء , نال الأسد بموجبها ٩٩,٩٩٪ من الأصوات , هذا السوري ـ الفرنسي  لايستطيع  وصف  هذه المهزلة الا بكلمة  “تزوير” , ولا يستطيع فهم  عدم  وضع المزور الذي هو الرئيس  في السجن  , ثم ان هذا السوري  لايفهم  آلية ترشيح مزور  للرئاسة مرة أخرى , ولا يفهم  كيف يتسبب رئيس بمقتل شخص  واحد  فقط  بدون  محاكمته   وبدون استقالته   قبل ذلك  , السوري  لايفهم انعدام الحس  والأخلاق  عند  شخص يرمي البراميل المتفجرة  والصواريخ  على الأحياء  والقرى والمدن  , ثم يريد هذا أن يصبح رئيسا لفترة  سبع سنوات أخرى , لا بل يريد  هذا  أن يكون ملكا الى الأبد  , ويريد  حرق البلد  عند شعوره  بأن رحيله أصبح  أكيدا , فمنذكارثة هتلر لايعرف الغرب  رئيسا  بتلك الصلافة والانحطاط الخلقي  , فبين المعايير والقيم السورية  ونظيرها الغربي هناك  فرق  يقدر بعشر سنوات ضوئية  ,  والسوري – الفرنسي لم يعد صالحا ليكون مواطنا في سوريا الأسد  , وسوريا الأسد لم تعد صالحة  لتكون وطنا لهذا الانسان  , هناك  تناسب  طردي بين  أبدية وبدائية الأسد  وبين  أبدية غربة   هذا السوري .

 وعن فرضية فشل الثورة فالأمر تاريخيا أكثر من واضح ,  لطالما  تواجد الظلم  لايمكن للثورة أن تفشل , لأن الظلم  هو الذي  يدفعها دائما الى البقاء  والاستمرار باشكال مختلفة  , قد تكون عسكرية , أو سرية , أو سلبية أو صامتة أو كامنة ..الخ  من فشل  هو النظام  الذي لم يقتدر عى  التطور والتحول والترقي  بشكل  يجعل من  النشاط الثوري  الرافض  والاحتجاجي  والتمردي  فائضا لالزوم له , لقد  فشلت الأسدية  في اقتلاع موجبات الثورة  , لذا فالثورة باقية  , وتجارب الشعوب الأخرى  تؤكد ذلك , والمستقبل سيبرهن على أن  نهاية الأسدية  حتمية  , ومهما  تأخر  قدوم هذه النهاية , فهي قادمة لامحال , النظام الأسدي لم يبرهن  عن  أي امكانية للتطور ماعدا مجال  القتل  والتهديم , والأسدية سوف لن تنتصر  عسكريا  , مع أن النصر العسكري هو أضعف الايمان , اذ  أن السنين الأخيرة   برهنت عن حاجة الأسدية  للتدخل الخارجي , ولولا  حزب الله  والحرس الثوري  وغيرهم من مرتزقة الأسدية  لانتهى الأمر قبل زمن طويل , والى متى يمكن  استعمار سوريا من قبل حزب الله وايران   والأسد (امبريالية داخلية في حلف مع امبريالية خارجية) . لو فرضنا جدلا  على أن الأسد انتصر عسكريا   !, فليقل لنا  أحد  أركانه  كم هو عدد الجنود اللازم للسيطرة على الوضع  , أظن أنه من الضروري  تجنيد  بعض الملايين   للتمكن من السيطرة  على الشعب  ,  وكيف ستسير الأمور  اقتصاديا وسياسيا   واجتماعيا  عندما   يكون من الضروري وضع  الشعب في القفص مع الملاين من الجنود  , لقد فشل الكثيرون قبل الأسد في حالات مشابهة  , والأسد سيفشل .

  أما عن شرذمة المعارضة  الافتراضية  , فالأمر  أيضا واضح ,  الثائر  في سوريا  هو  المتضرر من الأسدية   ,  ولو نظرنا  الى الوضع السوري  لوجدنا  ان  المتضررين ليسوا  حزبا واحدا  ولا عشيرة واحدة ولا فئة معينة  ولا  اتجاه سياسي معين  ,  التضرر المزمن أصاب كل فئات الشعب  من يساري الى يميني من متحرر  وديموقراطي  الى متدين وأصولي  , وحتى  الطائفة العلوية تضررت على المدى المتوسط والبعيد ,  ولربما لاتدرك الطائفة الآن  عواقب وقوفها وراء الأسد , ومن هنا  يختلف الوضع السوري عن الوضع الروسي مثلا حيث قام حزب واحد بالثورة  هو الحزب الشيوعي  .

أطياف   الثورة السورية متعددة  ومتنوعة أصلا  , ومن  أهم ظواهر “العافية”  في الثورة  حفاظها على  التعددية  والتنوع  , لذا فانه من غير الممكن توحيد  صفوفها  الا بشكل نسبي  عن طريق حصر  الاستراتيجية العليا  بأهداف  تمثل القاسم المشترك بين الجميع ,  فالكل  يريد اسقاط النظام  ,  وليس الكل يريد سياسة اقتصادية أو اجتماعية معينة  ,  اسقاط النظام هو القاسم المشترك   وحول  الأهداف والسياسات  الأخرى تفترق الطرق  بين الاسلامي والشيوعي  ..الخ , والديموقراطية ستكون  الحل

المعارضة ليست مشرذمة  , وانما متنوعة , والتنوع  يجعل من اتخاذ القرارات  امرا  ليس بالسهل  ,والأسدية  التي تتمثل  بالشخص الواحد  هي العكس , هناك  بشكل مطلق رأي واحد واتجاه واحد  وسياسة واحدة  هي سياسة الشخص  الذي يأمر  ويسمح  وينهي ويسجن  ويعطي ويأخذ  ويقتل   ويسرق ..الخ  , والأسدية لاتحتمل التعددية ولا التناقض  ولا النقدوالانتقاد  , هل سمعتم ببعثي انتقد القائد  وبقي في مركزه  , وحتى الاستقالة ممنوعة , هل سمعتم بوزير استقال مثلا  ,  الشخص  يأتي  بالوزير , الشخص يرسل الوزير الى بيته أو الى السجن, وهل   يستطيع مواطن رفض  منصب وزاري مثلا ..الويل ثم الويل  لمن  يعترض على ارادة الرئيس … الى  المحجر حيث الموت تعذيبا   أو الى المهجر  هروبا .

الوضع مختلف في المعارضىة  ,  فالمعارضة لاتعرف  “الشخصية” المتأله  القائدة  أبديا  …. يستقيل برهان غليون  , ويبقى  في عداد  الثوار ..تنتهي  رئاسة  سيدا  للمجلس الوطني  ويبقى في الثورة ضمن المجلس الوطني  .. هناك في الثورة كم كبير من النقد الذاتي  الضروري , ومهما كبر النقد  لايمكن القول على أنه مبالغ به , والنقدظاهرة صحية وواعدة  بمستقبل سوري  بعيد عن  الديكتاتورية   وبعيد عن هيمنة  شخص أو عائلة ..بين “عالم” الثورة  و”عالم ” السلطة  أجيال !.

تماسك جبهة الأسد   سببه ضيق هذه الجبهة  وانغلاقها  على نفسها  , انها جزء كبير  من الطائفة العلوية  , اضافة الى  جزء صغير جدامن  بقية الطوائف  , انها جزء كبير من البعث  , وجزء صغير جدا من بقية أعضاء الجبهة الوطنية , ولا وجود لرأي  آخر  في جبهة الأسد  , قبل أسابيع انتقد  عضو في  فرع البعث  في الجنوب السوري بعض الأوضاع  , بعدها تم نقله فورا الى السجن  ,وأين هو نائب الرئيس فاروق الشرع الآن ؟؟.

نظرا لازمان  فترة الاستبداد  ونصف قرن من  منع ممارسة السياسة  وممارسة لتربية مشوهة   لخاصة “المواطنية “,  يجب القول على أن ما توصلت  اليه الثورة  نسبيا في   أقل من أربعة أعوام  هو انجاز غير متوقع  ورائع كما وكيفا , ومن المتوقع  أن يتطلب اقتلاع ديكتاتورية نصف القرن  أكثر من نصف عقد.

Tags: , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • العامل الجيوسياسي لدير الزور !

    خالد  عمران : بمثل هذه العبارات يروج النظام لانتصار ويعطيه أبعاد وتطلعات مستقبلية يظن المتابع للحظات بأن الأسد سيحتل العالم في الفترات المقبلة وإن دير الزور هي كبولونيا عام 1939 […]

  • العلويون: شهوة السلطة وكوابيس الدم!

    بقلم:اياد عيسى  لم يأتِ شعار الأسد للأبد المرفوع زمن حافظ اعتباطياً، كان ثمرة جهد مكثف لعقلية شيطانية، تحكمها شهوة السلطة، أقام الأسد الأب إمبراطورتيه على أساس الأصولية العلوية تماماً كأي […]

  • من يرى الحل الأمني , فهوأعمى وأطرش

    خطاب الرئيس مليئ  بعنصر المفاجأة , فمن يقول (كلام الرئيس)ان سوريا  , والقصد هنا السلطة , اختارت الحل الأمني فهو لايسمع ولا يرى , ولم يقل الرئيس  لايفهم ,  ومن […]

  • مجانين بلادي

    لايوجد مجتمع دون مجانين , الا أن المجتمع الراقي يحاول لملمت مجانينه  ووضعهم في المصحات   للعلاج , وهذا لايمكن له أن يحدث في سوريا  , وذلك  لحاجة السلطة  الى هؤلاء […]

  • سوريا ستملك حق الفيتو في مجلس الأمن

    ولماذا لاتمنح سوريا  مقعدا دائما في مجلس الأمن؟ أرجوكم  لاتشتموني ولا تصفوني بالجنون  ولاتقولوا اني أهلوس , لأني  لم أطرح  هذا السؤال , انه سؤال طرحه  مخلوق يسير على  ساقين  […]