نهاية جيل من التفكير السياسي السوري وبداية جيل

March 16, 2014
By

بقلم:ياسين الحاج صالح

(إلى سميرة .. إمامتي الغائبة)

أيا تكن مآلاتها الفعلية، تدشن الثورة السورية نهاية جيل من التفكير السياسي في سوريا وبداية جيل جديد لن تتضح ملامحه قبل حين. من بين قضايا كثيرة نرجح أن يتبدل التفكير فيها تبدلا كبيرا، هناك ثلاث قضايا كبيرة تبدو لنا عناوين مؤكدة لتفكير جيل جديد. أولها قضية الهوية الوطنية، وثانيها الدولة ونظامها السياسي والقانوني والإداري، وثالثها موقع الإسلاميين في الحياة العامة ودورهم. وقد نضيف قضية الشتات السوري التي تفرض نفسها كموضوع سياسي راهن دون سوابق.

ماهية سوريا ووجودها

كان التصور القومي العربي لهوية سوريا كقطر عربي لا معنى تاريخيا له غير الإعداد لإلغاء نفسه في وطن عربي واحد في أزمة عميقة قبل الثورة. ولم يكن مردّ الأزمة وجود سوريين غير عرب، وهو وجود كبير يتخطى الكرد والأرمن إلى السريان والشركس والتركمان…، بل من تراجع هيمنته في أوساط العرب أنفسهم بفعل افتقاره المتفاقم إلى محتوى سياسي وقيمي تحرري. وبعد أن لم يكن هذا التصور يوحّد السوريين، لم يعد يوحد الأكثرية العربية من السوريين. 

ثم إن هذا التصور القومي مزّق الرابطة العربية التي يفترض أن تجمع السوريين بأشباههم في البلدان العربية المجاورة والأبعد. وهذا لأن القومية العربية ليست وعيا ذاتيا بما يجمع سكان بلدان مختلفة من مشتركات، بقدر ما هي حركة سياسية عملت على رد العنوان العربي الجامع إلى حزب سياسي، فجرى على هذا النحو نقل الهوية العربية المفترضة من مساحة الإجماع إلى مساحة الصراع، ما يعني عمليا تحطيم الرابطة العربية. 

في المقام الثالث نصب التصور القومي العربي لسوريا حواجز نفسية ورمزية عالية بيننا وبين العالم، مع التأكيد على مغايرة جذرية بين الجهتين، تقابلها في الداخل وحدة لا نتوءات ولا تضاريس فيها لـ»الشعب العربي السوري». وما كان لهذا الترتيب المتعارض مع التدويل العميق لمنطقتنا، وانخراط النظام السوري ذاته في منطق التدويل، إن عبر أدواره الإقليمية أو عبر حراسته حدود إسرائيل رغم احتلالها الجولان، ما كان له أن يستمر إلا لأن وظيفة عزل السوريين عن العالم وتخويفهم منه هي التحكم بهم وتجريدهم من القدرة السياسية والفكرية، ومركزة الحياة السياسية في البلد حول بقاء النظام وأبديته. لقد جرى الاستثمار في العزل عقودا، وبنيت من أجله أسوار أمنية لا تقل تأثيرا عن الأسوار التي عزلت المدن في أزمنة مضت، لكن بدل الحماية، الغرض من هذه الأسوار بالأحرى هو السيطرة والتحكم بالسكان داخلها. 

على كل حال قاد هذا التصور نفسه في درب انحطاط لا قعر له. من «حركة التحرر العربية» التي تحطمت بفعل تحولها إلى أنظمة طغيان مؤبدة ونخب فاسدة أكثر مما على يد إسرائيل ورعاتها الدوليين، جرى التحول إلى «الممانعة»، وهي إيديولوجية سلبية، تستأنف التأكيد القومي على المغايرة دون أي مضمون تحرري، ثم إلى صحبة منظمات ما دون الدولة ولعب دور تقسيمي في الإقليم ككل، وصولا إلى التبعية لإيران وعزيمتها إلى احتلال البلد وقتل المحكومين المتمردين. 

تحطم التصور القومي العربي للهوية الوطنية السورية تماما بعد الثورة وبفعلها. وهناك اليوم صراع على هوية سورية بين واحد من ثلاث تصورات، ليس بينها التصور القومي العربي. 

التصور الأسدي الذي يرد سوريا إلى قاعدة لملك السلالة الأسدية، قاعدة لا هوية فعلية لها، يعمل النظام على تأبيد نفسه عبر ما توفره له انقساماتها من هوامش حرية واسعة. السوريون وفق هذا التصور أسديون، رعايا للمالك الأسدي، ليسوا لا أحرار جوهريا، بل هم بالفعل عبيد سياسيا. 

ويبدو أنه يصعد في التصور الأسدي لسوريا اليوم عنصر شيعي بفعل التدخل الإيراني وذراعها اللبناني «حالش» (اسم ابتكره سوريون لـ»حزب الله في لبنان والشام» أو «حزب الله اللبناني الشيعي» من باب إظهار وحدة الحال بينه وبين «داعش»، «الدولة الإسلامية في العراق الشام»). وفي الكلام عن يزيد الأموي وزينب التي لن تسبى مرتين، وعلى حماية المقامات الشيعية، ما يشكل إيديولوجية مناسبة لاحتلال البلد، والعمل على تحويل عناصر هويته القائمة. يسهل من الأمر أنه لا مضمون فكريا أو قيميا إيجابيا للنظام الأسدي من أي نوع اليوم. بقاؤه هو كل رسالته. 

تصور الهوية الثاني هو التصور الإسلامي، السني في هذا المقام. وهذا يتراوح بين صيغة إخوانية مخففة سابقة للثورة، تحيل على الإسلام كـ«مرجعية حضارية»، وبين تصورات سلفية تتكلم على الدولة الإسلامية ودولة الخلافة، ومنها الشكل الفاشي المتمثل في «داعش»، وأشكال أقل وحشية، لكنها متمركزة حول تفسير تشريعي للإسلام، وتصور طائفي للمجتمع. وهي إلى عموم السوريين، بمن فيهم المسلمين السنيين، مثل القومية العربية إلى السوريين أنفسهم، بمن فيهم العرب. أعني أنها تُشرِّع لتنصيب حزب قائد، وإلغاء الحياة السياسية، وتحويل الإسلام إلى حزب سياسي، فتمزق بذلك المسلمين فوق تمزيق السوريين أنفسهم. هذا فضلا عن نصب حواجز فكرية ورمزية في وجه الاختلاط بالعالم، لنخسر جيلا أو جيلين آخرين، بعد جيلين خسرناهما على يد البعثيين والأسديين. لا تقدم ممكناً لنا فيما نرى من دون اختلاط مع العالم من حولنا وتفاعل معه وتعلم منه.

هناك تصور ثالث استيعابي، يحيل إلى سوريا ديموقراطية، منفتحة على تعددها الذاتي وعلى تمثيله سياسيا، وغير منعزلة عن العالم. ليس هناك تيارات واضحة تشتغل على هذا التصور، وتطوره مفهوميا وبرنامجيا، لكن ليس إلى غيره تحيل وثائق «المجلس الوطني السوري» و»ائتلاف قوى الثورة والمعارضة». المشكلة الأساسية في هذه الوثائق والقوى التي أصدرتها هي ضمور البعد التحرري في تكوينها وتفكيرها، والميل إلى تصور التعدد السوري تعددا ساكنا، هوياتيا، وليست تعددا سياسيا صراعيا ومتغيرا. وبقدر ما أن تصورنا للهوية الوطنية عنصر محدد لتصورنا للنظام السياسي، فإن من شأن تصور ساكن للتعدد السوري أن يفضي إلى نظام محاصّة طائفية مع هيمنة سنية. وهذا لا يشكل قطيعة مع النظام الأسدي، بل استمرارا مغايرا له. ما يمكن أن يكون قطيعة على هذا المستوى هو تصور السوريين كجمهرات متنوعة، تعمل على التحكم بشروط حياتها وامتلاك السياسة، بما في ذلك الكلام في الشؤون العامة والتنظيم والاحتجاج في الفضاء العام، وبما في ذلك صنع السياسات العامة والتحكم بالمواد الوطنية. 

دولة جديدة

وهذا يقودنا إلى القضية الثانية التي نرى أن جيلا جديدا من التفكير السياسي السوري يتشكل حولها، قضية الدولة والنظام السياسي. لا يرتد الأمر هنا إلى التخلص من حكم السلالة الأسدية أو التحول من الاستبداد إلى الديموقراطية على ما يجري التعبير عن الأمر أحيانا، وإنما تحويل البنية السياسية والإدارية والقانونية لسوريا في اتجاهات مغايرة لتلك التي قامت عليها منذ الاستقلال. يجري الكلام أحيانا عن فيدرالية، موجهة بصورة أساسية نحو معالجة المشكلة الكردية. لكن ليس هناك نقاش جدي في الأمر، ويلوثه غالبا الاشتباه بالمقاصد: هل هو خطوة باتجاه وحدة سورية جديدة وديموقراطية، أما باتجاه تفكك معمم؟ 

على أنه لا بد من تفكير جديد في تكوين البلد وتنظيمه السياسي باتجاه مزيد من اللامركزية، وبما يوفر للجمهرات السورية مساحات أوسع من الحرية وإدارة أمورها. هناك تحديان يواجهان التفكير السياسي على هذا المستوى. الأول يتصل بكيفية توزيع السلطات على المستوى الوطني العام بما يحول دون نشوء مركز سلطة وحيد متضخم يبتلع البلد. والثاني هو ضرورة وجود مركز سياسي موحِّد، يحول دون التفكك العام، وانقسام البلد إلى إقطاعيات كثيرة متنازعة. ليس هناك حلول جاهزة في هذا الشأن. نحتاج إلى نقاش عام واسع من أجل الوصول إلى معالجات وحلول مثمرة. 

في المبدأ، لا يستطيع السوريون التحكم بالسلطة المركزية من دون أن يشكلوا هم هذه السلطة، ومن دون أن ينظموا أمورهم بحيث تكون مقاومتهم فعالة لتعدياتها أو نزعاتها التسلطية. فإذا كانت تجربتنا السياسية الأساسية هي الطغيان الفاشي ومواجهته، فإن المبدأ الذي نرى أن ننطلق منه أنه ليس هناك أية اعتبارات، ولا حتى وحدة البلد، يجب أن تقف في وجه مقاومة السكان للفاشية. 

على أننا نرى أن سوريا مكسب عام للسوريين، بمن فيهم الكرد، وإن ليس بأي ثمن، ليس بثمن محو الشخصية قطعا، ولا بثمن الفاشية. سوريا مكسب عام من حيث أن مقاومة الفاشية في الإطار السوري أنجع من مقاومتها في إطار إقطاعيات أصغر مثل الرقة تحت سيطرة «داعش». لكن الشرط الشارط لأولوية سوريا هو قيام الكيان الوطني على إقرار الجماعات السورية المختلفة كجماعات تأسيسية متساوية في المكانة. بما هي وطن السوريين، يتعين أن تتشكل سوريا بصورة تضمن للسوريين المختلفين أعلى درجة من الحرية والمساواة، وأن يتشكل نظامها السياسي ويصاغ دستورها وقوانينها حول هذا المبدأ. 

والأكيد أن سوريا لا تفيض ماهيتها المفترضة على وجودها الفعلي، ككيان وكسكان، هي وحدها التي يمكن أن تكون سوريا ديموقراطية. «الجمهورية العربية السورية» ليست كذلك لأنها، تأسيسيا، تقصي بعض سكانها، وأي تصور إسلامي لسوريا ليس كذلك للسبب نفسه. و»روجوفا» أو «كردستان الغربية» ليست كذلك تأسيسيا أيضا. و»سوريا الأسد» ليست كذلك لأنها قائمة على عبودية السكان . سوريا التي تعرف بسكانها الكثيرين المختلفين وبكيانها القائم هي المؤهلة لأن تكون دولة ديموقراطية. 

هذا التشكل عملية صراعية من دون شك، قد لا نكون اليوم في غير الجولة الأولى من جولاتها. 

لا شيء يمكن أن يتحقق لنا دون كسب هذه الجولة، وطي صفحة «سوريا الأسد»، و»الأبد» الملازم لها. ولعله يلزم النظر إلى الأبد الأسدي بمزيد من الجدية، ففي تقديرنا أن العقيدة الضمينة للسلالة الأسدية هي التماهي بين السلالة وقاعدة ملكها السورية في «دولة» تدوم قرونا، وليس عقودا. ومن اعتبار سوريا ملكا أسدياً يواجه أي اعتراض داخلي على حكم الأسرة بالحرب مباشرة. ولعله لذلك لم يقدم النظام بعد ثلاث سنوات من الثورة عليه ولا ربع تنازل صغير. ولن يقدم. تكوينه من صنف تكوين أسوأ الأسر الحاكمة في التاريخ: إما حكم مطلق لا ينتهي، أو إبادة لا تبقي أثرا. 

فإن لم يتحقق هذا الواجب الذي طرحه علينا التاريخ، تحطيم الدولة الأسدية والتخلص من الحكم السلالي الأبدي، فما سنواجهه ليس العودة إلى كابوس «سوريا الأسد»، بل إلى ما هو أسوأ بكثير، حكم الشبيحة مع احتلال إيراني، أو صراع منحط مفتوح بين إقطاعيات عسكرية طائفية، يدوم عقدا أو عقودا. 

ونرجح لأي حكم إسلامي محتمل في سوريا أن يكون إقطاعية طائفية، لا تستطيع فرض نفسها على البلد، وربما تتعايش مع الإقطاعية الأسدية، وتكون بالتالي تجسيدا واقعيا لتقسيم البلد. قد يكون الشيء الجيد الوحيد في حكم «داعش» في الرقة ومناطق من شمال شرق البلد أنه أحرق بصورة نهائية احتمال حكم إسلامي لسوريا. خيارات الإسلاميين منذ الآن تتراوح بين نموذج «داعش»، أي إقطاعة دينية عسكرية تدخل في حرب مع محيطها، وبين الاندراج كحزب أو أحزاب سياسية مثل غيرها في سورية ديموقراطية. ليس هناك حكم إسلامي معتدل. الاعتدال هو الديموقراطية.

ولدت سوريا كدولة وطنية ترابية قبل أقل من قرن. هذا هو «برنامجها الوراثي». تحويلها إلى شيء آخر يعني تدميرها، أو تحويلها إلى كائن مسخ. نعلم هذا من تجربة تحويلها إلى مملكة أسدية. ولن يكون الحال إلا بالسوء نفسه أو أكثر إن جرى تحويلها إلى دولة إسلامية. لدينا مثال كابوسي على هذا الحكم منذ الآن، والتجربة مُحكِّمة. 

موقع الإسلاميين

القضية الثالثة التي نرى أن جيلا جديا من التفكير السياسي في سوريا يتشكل حولها هي موقع الإسلاميين في الحقل العام. طوال 30 عاما قبل الثورة كان الإسلاميون قوة تغيير في البلد، هذا واقع جرى أخذه في الاعتبار في الجيل السابق. لقد فرض نفسه كمعطى «موضوعي» حين أتيح للسوريين التعبير عن أنفسهم في السنوات المنقضية من هذا القرن، من «ربيع دمشق» إلى «إعلان دمشق»، وصولا إلى «المجلس الوطني» و»الائتلاف». هناك بالفعل اعتراضات على موقع الإسلاميين هذا، لكن لم يصدر شيء منها من مواقع تحررية أو ديموقراطية، بل إن بعضا منها على الأقل صدر من مواقع فاشية (نبيل فياض وما شابه، وكتاباته ليس فقط لم تنتقد، وإنما احتفي بها في أوساط تفضل عادة تعريف نفسها بالعلمانية والحداثة…). كان الإسلاميون هم العدو الشبحي الشرير الذي يمكن قول كل شيء وأي شيء عنه، دون معرفة شيء فعليا عنه، وما يسوغ لمثقفين وتشكيلات سياسية الاصطفاف إلى جانب الفاشية الأسدية في مواجهته. أقصى نقد كان يوجه للنظام في هذ الشأن أنه يقمع يساريين وعلمانيين وليبراليين أيضا، ولا يكتفي بقمع الإسلاميين. لكن هذا كلام يحصل أن يقول ما يقاربه حتى بعض ضباط مخابرات النظام، أو جناحه «اليساري» و»العقلاني» إن جاز التعبير، أعني طائفيين وبرجوازيين «مستنيرين»، لا نفاذ لهم إلى نواة النظام الصلبة، ولا يتبنون برنامج السلالة الأسدي الأبدي. 

ونوعية النقد الذي يوجهه هذا الطيف السياسي الثقافي للإسلاميين هو النقد الماهوي، الذي إن لم تكن محركاته طائفية صريحة، فإنه يغيب منها كليا ما يتصل بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وليس في سجله ولو احتجاج حقوقي أو أخلاقي على الأساليب البربرية في معاملة الإسلاميين (أو حتى غير الإسلاميين، السجل متاح لمن يريد الاطلاع). أعني بالنقد الماهوي رد مشكلات مجتمعاتنا المعاصرة إلى الإسلام ذاته، وليس إلى أي شروط سياسية واجتماعية وفكرية نعيش في ظلها. «الإسلام» هو «البنية التحتية» التي لا نفهم أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون إدراك أنها محددة به. 

في مواجهة النقد الماهوي ننحاز إلى نقد علائقي، يشرح تشكلات الإسلام التاريخية ذاتها بالشروط الفعلية لحياة الناس، ولا يتعامى عن مشكلات المتن العَقَدي الإسلامي. 

وصل واقع الشراكة مع الإسلاميين ذروته ونهايته مع الثورة. من جهة جرت إعادة هيكلة داخلية للطيف الإسلامي لمصلحة السلفيين، وهم أكثر تمركزا حول الذات وإقصاء للغير من التنويعة الإخوانية؛ ومن جهة ثانية أظهر السلفيون، طلائعهم الجهادية بخاصة، من العدوانية والإجرام ما يمثل استئنافا للنظام الأسدي من حيث انتهى وليس حتى من حيث بدأ. 

الواقع أن الثورة فجرت التناقض في الشراكة مع الإسلاميين، فهم قوة احتجاج وتغيير سياسي، لكنها قوة تقييد اجتماعي وذات تكوين أبوي في نظرتها إلى المجتمع والسياسة. طالما النظام الأسدي قائم والأمور مستتبة له، يغلب في دور الإسلاميين اعتراضهم السياسي عليه، لكن ما إن بدأت الثورة وحتى قبل أن تحقق هدفها الأولي، إسقاط النظام، حتى شفع نزوعهم التقييدي اجتماعيا والبطريركي بنزوع تسلطي سياسي. 

والطابع اللاتحرري العام لفكر الإسلاميين تجسد كروح للشر والقبح في «داعش». لا يكفي القول هنا إن «داعش» تشكيل إسلامي متطرف، وأن الإسلاميين الآخرين لا يتحملون جرائر أعمالها. بالمعنى القانوني لا يتحملون فعلا، بالمعنى الفكري والسياسي يتحملون طبعا، وهم المطالبون قبل غيرهم وأكثر من غيرهم بالمجاهرة بالقطيعة الفكرية والسياسية مع «داعش» ومنهجها التكفيري وممارساتها الإجرامية. حتى المواجهة العسكرية لا تعوض عن ذلك لأنه يمكن أن تحركها اعتبارات المنافسة، أو اعتبارات سياسية ظرفية. 

على كل حال يبدو لنا أن الأمور سائرة باتجاه تجاوز تجربة الجيل السابق، وأخذ الوقائع الجديدة بعين الاعتبار، وقائع ميل الإسلاميين الجامع إلى التسلط. 

لكن المهم ليس هذا التحول وحده، بل أن يكون من مواقع تحررية وديموقراطية، ومع القطيعة مع النقد الماهوي، ومع المنطلقات الفاشية لمعاداة الإسلاميين في الجيل السابق. هناك طريق مسدود يستحسن ألا نهدر وقتا في السير فيه: استبعاد الإسلاميين عمليا، أو التأسيس الفكري لهذا الاستبعاد. هذا يخدم حصرا الأشد تطرفا بين الإسلاميين، ويضعف الشركاء المحتملين بينهم، وهم موجودون وليسوا نادرين. المهم من جهة أخرى أن تُشفع المخاصمة السياسية والفكرية للإسلاميين بالقطيعة مع مختلف تناسخات البطريركية، وتطوير تجارب تحررية على مستوى التنظيم والتفكير وأنماط الحياة، والتمييز الإيجابي لمصلحة النساء في تجاربنا الجديدة. علينا أيضا أن نمارس حرية الاعتقاد التي ندعو إليها ونجاهر بمعتقداتنا الدنيوية دون حسابات سياسية. 

نقدر أيضاً أن الحاجة الاجتماعية لنقد التفكير والسلوك الديني، والتجارب السياسية الإسلامية، تتنامى منذ الآن، وستيعين إشباع هذه الحاجة بمفاهيم وقيم تحررية، لا يستطيع الإسلاميون توفيرها، ويعرض التفكير «الحداثي» عجزا ثابتاً عن توليد مثلها أيضاً.

سياسة الشتات السوري

وهناك قضية تفرض نفسها اليوم دون سابقة، أو بسابقة محدودة لم تتأسس عليها سياسة: قضية الشتات السوري. لدينا اليوم مليونان ونصف المليون من السوريين في مناف قريبة وبعيدة، أكثرهم في لبنان وتركيا والأردن والعراق، يلقون معاملة غير كريمة غالباً، ويحتاج أكثرهم إلى كل شيء، العمل أولاً، والوضع القانوني الشرعي ثانيا، والسكن والطعام والدواء وتعليم الأولاد ثالثاً. ليس هناك بعد معطيات كافية حول اللاجئين السوريين في بلدان الشتات، ولا توجد هيئة سورية عامة تهتم بأمرهم، وتعمل مع حكومات البلدان المضيفة بما يضمن لهم الحماية، أو على الأقل تنجز دراسات وخرائط عن أوضاعهم في البلدان المختلفة، وعن عدد الضحايا الذين ابتعلهم البحر في دروبهم إلى الشتات الأوروبي. البلدان الأوروبية تفكر في السوري كلاجئ سياسي محتمل، وتنصب حواجز قانونية عالية تحول دون وصول السوريين إليها، أو تقليل عددهم إلى أقصى حد. وتعقد اتفاقيات وتفاهمات مع البلدان المستقبلة للاجئين السوريين كي تحمي نفسها من هذا التدفق الكبير القادم من شرق المتوسط. 

وبقدر ما هي تجربة قصوى، تجربة «الحياة العارية»، فإن تجربة الاقتلاع واللجوء والشتات، ومعسكرات اللجوء التي يحصل أن يقضي فيه بعض اللاجئين شهورا أو أكثر، أو ربما يعيشون أيامهم كلها فيها مثل مخيمات اللجوء التركية أو مخيم الزعتري في الأردن، هذه التجربة تصلح منطلقا لتفكير جديد في معنى الوطن والوطنية. ليس وطنا هذا الذي يقوم على العبودية، ويملك حكامه البلد. تجربة الشتات السوري تدين الوطنية البعثية وتزكي القطيعة معها كواجب سياسي أول للسوريين. 

وفي الشتات الداخلي، إن جاز التعبير، يعيش نحو 7 ملايين سوري في ظروف قلما تكون أقل سوءا. وليس هناك أيضا معلومات كافية عن أوضاعهم أو جهة محددة تهتم بشؤونهم. كان النشاط الإغاثي الذي استهلك الكثير من طاقة ثائرين منذ شهور الثورة الأولي يجري بدوافع التضامن أو حتى كشكل للمشاركة في الثورة، لكن دون أطر عمل منظمة وموارد كافية، ودون تغطية جميع مواقع الشتات الداخلي، فضلا عن حاجات السكان المحاصرين في العديد من مناطق البلد. 

كان كل شيء يعطي الانطباع بأن المشكلة قصيرة الأمد وإن تكن بالغة الحدة. ولقد حال هذا الانطباع دون بلورة سياسة مناسبة للشتات الداخلي والخارجي. أنسب اليوم أن نفكر في قضية الشتات السوري مثلما نفكر في الشتات الفلسطيني، قضية مديدة قد تدوم سنينا وعقودا. وقد لا يتأخر الوقت قبل أن ندرك أن النظام الأسدي ليس أقل سوءا من إسرائيل، ولا حلفاءه أقل سوءا من حلفائها. 

وإلى تجربة الشتات تفرض نفسها بعد حين قضايا إعادة الإعمار واحتمال أن تكون مدخلا لضرب جديد من الهندسة الاجتماعية في أفق ليبرالي جديد، سواء على يد النظام، أو على يد أطراف محسوبة اليوم على الثورة. 

في المجمل تفرض نفسها منذ الآن سياسة الشتات السوري. المعلومات عن اللاجئين أعدادا ومواقع وشروط حياة وأوضاعا قانونية، والموارد اللازمة لسد حاجاتهم، والهيئات التي تتابع هذه القضية في البلدان المختلفة وفي الداخل، مواضيع أولية لسياسة الشتات. أما الهدف النهائي لهذه السياسة فهو العودة وحق العودة إلى البلد. 

بداية جديدة

الوجهة العامة لهذه التقديرات حول الهوية والدولة والإسلاميين هي الروح التحررية المبدئية للثورة السورية. المسارات المتعرجة التي سلكتها الثورة خلال ثلاث سنوات لا تنال من حقيقة أن القيم المحركة للثورة هي العدالة والمساواة والحرية والكرامة الإنسانية، بل إن هذه المسارات مسوغ أقوى للتمسك بها ومحاولة التأثير على الواقع في اتجاهات موافقة لهذه القيم. 

الأكيد في تصورنا أن جيلا قد انتهى. أن حساسية جديدة ومفاهيم جديدة في سبيلها إلى التشكل. 

وبينما تنطوي صفحة جيل الأنوات بعد ربع قرن أو ثلاثة عقود من ظهوره، وتنطوي معها خصوماته الغامضة وحروب المكانة التي لا تنتهي يخوضها وجهائه، لعلنا نشهد اليوم ظهور جيل أبوات جديد، إسلامي، ثقيل الظل واليد والدم. يملأ هذا الجيل موقع المقاومة التحررية الشاغر بفعل إخفاق مقاومة جيل الأبوات وتقادمها في الوسائل والمعاني، وبفعل ضمور العناصر التحررية في تفكير وسلوك جيل الأنوات الذي أتى بعدهم. لكن جيل الأبوات الإسلاميين، بأسماء أبي فلان وأبي علان، وبلحى طويلة، وبطائفية بدئية، وقيم بطريركية معاية للنساء، أضيق أفقا وأشد عقما من سابقيه. 

لا نتصور مخرجا من الأبواتية الجديدة غير تفكير وتجارب تحررية جديدة، لا في اتجاه الأبواتية القديمة وإيديولوجياتها العملية، ولا باتجاه الأنواتية ومذهبها الأناني. تجاربنا الجديدة ستكون مرتجلة وغير ناضجة دونما شك في بداياتها. لكن ليس هناك بدايات ناضجة.

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured