لن تنتصر سوريا بكَ يا “سيادة الرئيس”

March 9, 2014
By

بقلم :عقل العويط

“إذا لم ننتصر، تنتهي سوريا”. استللتُ هذه الجملة من مقابلة أجرتها إحدى القنوات الإخبارية السورية مع الرئيس بشّار الأسد. كلامٌ استراتيجيّ، وجوديّ، وكيانيّ، بدون شكّ. على الرئيس، والحال هذه، أن لا ينتهي، لئلا تنتهي سوريا، فتمّحي الصورة التي رسمها والده الرئيس “الأبدي” حافظ الأسد لـ”سوريا الأبد”. لكنه، وهو يعمل على تحقيق هذا الانتصار، الذي لن يراه، على ما أزعم، حتى في أضغاث الحلم، يمعن في إنهاء سوريا، والانتهاء منها، بعد تقديمها كبش محرقة، فداءً لنيرونيته البعثية الفذّة. وها هو “يستدعي” علناً، وبصفاقة، بعضاً من اللبنانيين ليؤكد أن لبنان، لن يكون هو الآخر، في منأى من محرقته النيرونية.

يربط الرئيس الإبن مصير بلاده بمصير شخصه ونظامه وحكمه وحزبه، مؤكداً أن لا انفصال البتة بين المصيرين، وأنه لن يسمح بكسر هذه المعادلة، لأن في كسرها انتهاءً لسوريا. جميلٌ من الرئيس الإبن هذا الحرص العنيد على بلده المكنوز بالتاريخ والحضارة والإرث الإنساني. قبله، كان والده قد أرسى لسوريا دعائم الحرص “الأبدي” على لزوم انتصارها الأسدي، استبداداً وقبضةً حديداً وقتلاً وإرعاباً عقلياً ونفسياً وجسدياً. مواظِباً على المحافظة على هذا الإرث، يرى الرئيس الإبن أن ليس من سبيلٍ إلى مواصلة حرصه المنهجي على “سوريا البعث” و”سوريا الأسد”، والحال حال “إرهابيين” و”قطّاع طرق” و”تكفيريين”، إلاّ بتدمير بلاد الشام برمّتها، مدناً وأريافاً ودساكر وقرى، وتخريب حياتها، ودكّ آثارها ومعالمها، وزهق أحاسيس أزقتها، واستئصال ذكرياتها. كما ليس له من سبيل إلى ذلك إلاّ باجتثاث الشعب السوري الحرّ والثائر اجتثاثاً، من أجل أن ينتصر بـ”سورياه”، سوريا الحزب العظيم الذي جعل من بلاد الشام مساحةً للفجيعة والألم والخراب.
ربما كان ينبغي للصحافيين، الرجل والمرأة، اللذين حاوراه، أن يسألاه عن تصوّراته التخريفية للمرحلة التي تلي انتصاره المريض على بلده وشعبه. على سبيل المثال: بعد إنجاز الانتصار الميمون، كيف ستعيد، يا “سيادة الرئيس”، خيوط الوئام إلى النسيج الوطني الذي مزّقته نيرانكَ مزقاً مزقاً، وجعله شبّيحتكَ فِرَقاً فِرَقاً؟ والذين قُتِلوا وشُرِّدوا وهُجِّروا ونزحوا، وهم بالملايين، شبّاناً وشابات، شيوخاً وأطفالاً وأرامل ويتامى، ووعوداً خضراء، هل في تصوّراتكَ أن تُنهِضهم من قبورهم الجماعية، وتستدعيهم من منافيهم الذليلة، وتعيدهم إلى حظيرة الحياة البعثية؟ والمدن والأرياف والمواقع التاريخية والأثرية التي نكّلتَ بأرواحها، وعبثتَ بطقوس أهلها، هل ستعيد إعمارها وإحياءها؟ وكيف؟
لم يكن في بال الصحافيين الرصينَين والعاقلَين والخجولَين بالطبع، أن يطرحا أسئلة كهذه على “سيادة الرئيس”، لكن الافتراض الاستطرادي يحمل المرء على إثارة تساؤلات من مثل هذه الواردة أعلاه، في سبيل إضفاء نكهةٍ مفقودة على مقابلات “مدروسة” و”مهذبة” و”منهجية” كالمقابلة المذكورة.
جميلٌ يا “سيادة الرئيس”، في عرفكَ، أن تنتصر، وإن بقتل شعبكَ، فتحول دون انتهاء “سورياكَ”، “سوريا الأسد”. لكنكَ في الواقع العملي للأمور لن تتمكن من إحراز هذا الانتصار. هذا بالطبع محض توقٍ أتوقه، وزعمٍ أزعمه، لأن ليس لي علمٌ أكيد بالوقائع والاحتمالات.
لكنني أعرف ما ينبئني به حدس الشعب الثائر على الظلم الأسدي، وما تنبئني به عِبَر التاريخ والجغرافيا. إذ كيف تربط مصير سوريا بمصيركَ، وهي لم يسبق لها يوماً أن سُئل رأيها الديموقراطي الحرّ فيك، ولا في والدكَ بالطبع؟ شعبكَ أيضاً، كيف تريد له أن يربط مصيره بمصيركَ، وأن يريدكَ، وهو لم يُترَك له يوماً قرارٌ حرّ فيك؟ فهذان البلاد والشعب، اللذان أُرغما طوال العقود المنصرمة على تجرّع كؤوس الاستبداد بالحنكة الديكتاتورية التي يُشهَد لوالدكَ بأنه رائدٌ عظيم من روّادها، أسألكَ كيف يمكنكَ أن توهم نفسكَ بأنهما يريدانكَ، وكيف ستنتصر بهما؟
يمكنكَ يا “سيادة الرئيس” أن ترجئ الموعد، أن تحفر المزيد من القبور، أن تكثّف عمليات التدمير والقتل الجماعي، كما يمكنكَ أن تشعل النار في مطارح لم تصل إليها النار، داخل البلاد، وعلى حدودها، بل وفي لبنان، والبلدان المجاورة، وربما في الأصقاع البعيدة. لكن إلى متى، يا “سيادة الرئيس”؟ ثمّ، بعد ذلك، بعد ركون المصالح الدولية إلى حاجاتها وغاياتها، إلى أين المفرّ؟
مخاضات وآلام عظيمة قد تظلّ تعيشها سوريا، وشعبها، وشعوب الدول العربية المجاورة، بل والعالم، وخصوصاً لبنان “المستدعى” بعض أطرافه “الأسديين” إلى الحضن “الأسدي”. وستظلّ تعيشها إلى أن تنتهي من الديكتاتورية البعثية – الأسدية التي تواظب على الدفاع عن “أبدها” بالقتل “الأبدي”.
في خلال ذلك، لا بدّ من أن يواصل الشعب السوري الحرّ جلجلته باجتراحٍ وصبرٍ ومثابرةٍ وكبرياء عظيمة، على رغم المصادرات التي يتعرض لها. وهو سيظلّ يفعل ذلك، ومعه الأحرار في كلّ مكان، إلى أن يستيقظ الفجر. وهذا سيستيقظ حتماً، وإنْ بعد “أبدٍ أسديّ” طويل.

Tags: , , ,

One Response to لن تنتصر سوريا بكَ يا “سيادة الرئيس”

  1. nesrin abboud on March 10, 2014 at 12:27 pm

    استعانة السيد الرئيس بقوات أجنبية هو البرهان على أن الرئيس لايستطيع الانتصار بكتائبه , وكم يلزم الرئيس من عسكر لحماية الانتصار , ثم كم يلزمه من المخابرات والشبيحة لقمع السوريين واحدا واحدا , عليه بملاين من رجال المخابرات والشبيحة ولجان الدفاع والمرتزقة , ومن أين يأتي هؤلاء ؟ مستقبل السيد الرئيس مظلم وحتى المهدي وكشافته لايغفيد كثرا , لقد سال الدم انهارا ياسيادة الرئيس الحقد لم يبق دفين والكره ظاهر والثأر قد يكون به بعض الأحقية , ألم يذل السيدالرئيس الشعب السوري , ولماذا التسامح مع سيادته أو يقتل ويعذب وماذا سيفعل به أهل القتيل وسام سارة أو غيره من القتلى , وماذا ستفعل به فاطمة العبد الله , هل قرأ رسالتها ؟ . حبذا لو يتصور الرئيس نفسه مكان فاطمة أو مكان فايز سارة ولو لربع ساعة , ماذا سيفعل بمن قتل ابنه وأخيه , وماذا أقول للرئيس الذي لايفهم مايقال , اسمه سيبقى في التاريخ مثلا لايقتدى به

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • Exclusive Interview – Defiant Assad Denies Ordering Bloody Syrian Crackdown

    Very interesting Video   Syrian President Bashar al-Assad defiantly denied any suggestion that he has ordered a bloody crackdown against protesters who are demanding that he resign, and claims instead […]

  • عملية القضاء على الوطن مستمرة في نجاح متزايد !

    فجأة ظهر طلاس ليس في دمشق مع والده كما قالت وكالة فارس الايرانية  للأنباء  , ومن الطبيعي أن  تقول ذلك أيضا سانا , وانما من خلال “العربية ” حيث قال  […]

  • من الأحداث الأمنية, الى الحرب الكونية

    by:samer elias القمع هو بذور الثورة وودرو ويلسون : قدمت الآنسة/السيدة  التي أجرت برفقة صحفي عراقي حوارا  مع بشار الأسد مشهدا سوياليا  للقاء سوريالي , والانطباع الشخصي عن هذا الحوار/اللقاء كان […]

  • رائد التحضر أبو ميزر وزيجة البربر !!

    بقلم :تيسير عمار : وهكذا تمت الوطأة ثوريا  وليس  على سنة الله ورسوله ,واقتاد   أبوميزر  الفتاة  الحلبية  للنكاح  بمقدم ومؤخر “مرشدي” وقدره ٤٠٠ ليرة سورية  ,ناول  أباها  ورقة الخمسمئة  […]

  • القانون دين الدولة!

    مهما كانت المآلات، فإن الربيع العربي هو إجتراح لمعجرة. ذلك أن مجرد تصوّره قبل وقوعه، كان ضربا من الهلوسة، فمن خطر بباله رؤية فرعون خلف القضبان؟ ها هنا يكمن البعد […]