الراهبات رهينات الإعلام السوري الرسمي

March 13, 2014
By

بقلم:فادي داهوك

  لم تكد تمرّ ساعات على استراحة راهبات معلولا، بعد يوم طويل أنهى معاناتهن، حتى بدأت فصول معاناة جديدة. وإن تبيّن أن الراهبات كنّ عند “جبهة النصرة” في أمان نسبي، أو على الأقل بخير طوال المدة التي قضينها محتجزات، ها هو النظام السوري يلجأ إلى المنظومة الإعلامية لانتقاد وتأويل تصريحات الراهبات والتحريض ضدهن بشكل مفضوح.

بمكره المعتاد، انتقى النظام، أضعف الراهبات من ناحية المركز والسّن، إذ من بين كل الراهبات اللواتي صرّحن للإعلام عن المعاملة الجيدة التي تلقينها في يبرود من قبل الخاطفين، اختار واحدة منهن هي الأصغر سنّاً والأقل مرتبة.

اللافت في الموضوع أن النظام تمكّن ببراعة من تجزئة الحدث العام، ليجد ضالته في جزئية شكّلت بالنسبة إليه ثغرة تمكنه من تفتيت باقي حيثيات الحدث. حصل ذلك من خلال تحميل مسؤولية كل التصريحات وحسن معاملة “جبهة النصرة” لراهبة واحدة تدعى آجيّة. الراهبة آجيّة من بلدة في ريف حماه اسمها السقيلبية، تقطنها غالبية مسيحية من الروم الآرثوذكس، تعدادها أقل من تسعة آلاف نسمة، بحسب إحصائيات أمانات السجل المدني السوري للعام 2010.

تلك الراهبة ظهرت على شاشة قناة “الجديد”، قالت مجيبة على سؤال المراسلة “عاملونا معاملة كتير كتير كويسة.. كانوا طيبين معنا.. بنشكر الله”.

إلى جانب الراهبة آجيّة، كانت الأم بيلاجيا سياف، رئيسة دير مارتقلا، كبيرة الراهبات، تتحدث أمام كل وسائل الإعلام الموجودة، التي ما انفّكت تتسول تصريحات سياف لاقتناص أي كلمة يمكن توظيفها ضد الثورة من خلال أسئلة المراسلين: “تعرضتوا لضرب؟.. كيف كانوا يعاملوكن؟.. طيب، شلّحوكن الصلبان؟”، فكان أن لا سبيل إلى الظفر بحرف ضد الثورة.

تصريحات سيّاف، وحديثها الودي مع مسؤول “النصرة” لدى إيصال الراهبات إلى عرسال، وتحميله سلاماً منها لزوجته “أم عزام”، وسلاماً ثانياً لأمير “جبهة النصرة” في القلمون كلها “أبو مالك”، يستحق الإعدام، بحسب مقاييس النظام ومنطقه، لكن، مع ذلك، لم يأت الإعلام السوري بأي كلمة ضد الأم سياف خلال الأيام الأولى لانتفاضته ضد الراهبات واكتفى “بتكفير” آجيّة.

“كل السوريين يشاركون أبناء بلدهم صلوات الشكر لله على عودة الراهبات المختطفات محررات إلى عوائلهن، لكن أن تنسى راهبة تم تحريرها أو تتناسى الجيش العربي السوري ودماء شهدائه، فذاك يندرج في خانة الخيانة، أو على الأقل، الانحراف عن الوطن”.

تلك، كانت مقدمة نشرة الأخبار الرئيسية “قناة سما” (“الدنيا” سابقاً) في اليوم الذي تلا الإفراج عن الراهبات. وتابعت المقدمة: “موقف أقل ما يقال عنه أنه صادم، موجع، حين تقول من نذرت نفسها لخدمة الرب، ما لا يقوله أبناء سوريا”، وأضافت: “لعل ما قالته تلك الراهبة في ثلاث جُمل، شكر قطر، والدفاع عن المسلحين، ومدح إنسانيتهم، تصريح لا مسؤول، ولا مقبول، ولا وطني”.

القناة، زوّرت، فبركت، كلام آجيّة. تلك المسكينة لم تشكر قطر، قالت فقط: “كانوا كتير طيبين..، منشكر الله”. لكن شكر الله لا يكفي، ولا يشبع، الرئيس، اللامعقول، الفريد، المجنون، الذي سيق من العيادة إلى عرش العبادة ونُصّب ربّاً على السوريين، فكان شكر الله اتهاماً، وفي محاكمات إعلامه هو شكرٌ لقطر!

الأبعد من ذلك، أن القناة وبعد مقدمة نشرتها الإخبارية “الردحية”، بثّت تقريراً بعنوان “شرائح واسعة من الشارع السوري تستنكر تصريحات إحدى الراهبات”. هنا أنكرت القناة، على لسان أحد ضيوفها، جهود مدير عام الأمن العام اللبناني، عباس ابراهيم، في هذا الملف. يقول الضيف: “هو اللي طلعن ابراهيم من لبنان… ويعني بمساعدة من الحكومة السورية… التشكر بس للحكومة السورية”.

لكن، بعد 48 ساعة، غيّرت القناة تكتيكها الذي خيّل إليها أنها صنعت من خلاله رأياً عاماً أقنع جمهورها بأن الراهبات ناقصات عقل ودين ووطنية، فبدأت بالنيل من رئيسة دير مارتقلا بيلاجيا سياف التي شكرت بالفعل “جهود قطر، وعباس، والرئيس بشار الأسد، وكل حدا حط إيدو بهالمشكلة”.

تقول المقدمة الجديدة لنشرة “قناة سما”: “لم يزل سخط السوريين قائماً، حتى بعد مرور 48 ساعة، على وصمة العار التي نطقت بها، رئيسة دير مارتقلا في معلولا، الأم بيلاجيا”. بعد التحريض الأولي الذي قادته القناة على آجيّة، انتقلت إلى اتهام سياف بعمالتها للمسلحين. أضافت المقدمة: “تتوالى الأنباء من معلولا، أنها (بيلاجيا) يوماً ما، خبأت المسلحين فوق الدير، وخبأتهم عن الجيش الذي يفيض احتراماً للأديان، الذي اعتبر الدير مكاناً مقدساً، واكتفى بكلمة الأم بيلاجيا، ولم يفتش المكان”.

التصعيد المتواتر في مقدمة النشرة وصل إلى درجة أن وضع القضية في عهدة المرجعية الدينية المسيحية في سوريا للوقوف “أمام مسؤوليتها التاريخية والوطنية”.

ذلك التصعيد ليس الذروة، فإن كان المستهدفون في المقدمة هم السوريين، فللبنانيين أيضاً حصّتهم. تبدل شكل النيل من الراهبات، فاتّهمن لاحقاً بأنهن مقربات من رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، إلى الرئيس اللبناني ميشال سليمان.

تقرأ مذيعة “سما”:  “بعدما صدم السوريون بما قالته الراهبة، صدموا كَرّة أخرى بما قاله ميشال سليمان، رئيس جمهورية النأي بالنفس في لبنان الشقيق”، الذي “رواه السوريون بمائهم ودمائهم وكهربائهم”. واستشهدت القناة في ممسكها على سليمان، بكلام ربيب النظام في لبنان، الحليف الوفي، وئام وهاب، فتابعت: “حتى لا نفتئت على الرجل، ننقل ما قاله لبناني حرّ عنه، وئام وهاب، حين أصدر مكتبه بياناً عبّر عن سرور لبنان بالشكر الذي وجهه فخامة الرئيس ميشال سليمان، إلى أمير الكاز والديزل في دويلة قطر العظمى”.

وأضافت: “مكتب وهاب استدرك قائلاً، لقد فات فخامة الرئيس، ربما، بسبب انشغاله بالإعداد لمغادرة القصر الجمهوري قريباً، فاته أن يوجه الشكر للرئيس بشار الأسد، والجيش العربي السوري، ورجال المقاومة، الذين ضيقوا الحصار على إرهابيي يبرود، ما دفعهم لإطلاق سراح راهبات معلولا، لذا اقتضى التنويه.. انتهى كلام مكتب وهاب. لكن.. كلامنا لم ينته”.

إذاً لا شكر مسموحاً في مسألة تخص سوريا، إلا للأسد، القائد الأحد، الذي لم يأتِ إلى الحكم سواه أحد، والكلام الذي “لم ينتهِ” يفضح ما يبيّته النظام، من خطرٍ، أو أذىً، يترصّد بالراهبات، الأمر الذي يستدعي استنهاض المعنيين أو القادرين على حمايتهن، وذلك أضعف الإيمان.

Tags: , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • اختفاء ثلاثة من هيئة التنسيق, بأمر من الرئيس !!

    الأخبار  تحدثت هذا اليوم  عن اختفاء ثلاثة من قيادة “هيئة التنسيق” بينهم الدكتور عبد العزيز الخير وموقع الحقيقة  المرتبط بالمخابرات السورية  قال قبل ظهر هذا  اليوم  على ان أصابع الاتهام […]

  • القانون,دين الدولة

    By:N.kraitt آية الحق النجاح وآية الباطل الفشل :جيمس مهما كانت المآلات، فإن الربيع العربي هو إجتراح لمعجرة. ذلك أن مجرد تصوّره قبل وقوعه، كان ضربا من الهلوسة، فمن خطر بباله […]

  • الأرض لمن يزرعها ..الأرض لمن يدافع عنها!!!

    نبيهة حنا:  لافرق  ان  كان بشار الأسد  كاتب خطابه  أو كان   آخر كبثينة شعبان , فبشار الاسد هو الذي ألقاه  وبالتالي  يتحمل بشار الأسد تبعاته, ومن يسمع الخطاب يصاب بالتقزم […]

  • حزب الله وسوريا!

    بقلم:ميشيل كيلو إن من يستمع من مواطنات ومواطني سوريا إلى قادة حزب الله، وهم يبررون مواقفهم الخاطئة صار يشعر بالغضب والإهانة، خاصة أنهم يتحدثون عن سوريا ويتعاملون معها بطريقة لا […]

  • “فك رقبة” بثلاثة ملايين: ضباط بشار الأسد يطلقون تسعيرة “الإفشاء”

     بقلم:عبد السلام الشبلي شبكة أمنية “مافياوية” كبيرة، تتاجر بالمعلومات عن المعتقلين داخل سجون النظام، وتتصل فيما بينها بخطوط مخابراتية بين أفرع أمن النظام، عمادها الأمن العسكري في دمشق. طوال عام […]